الرئيسية » آخر الأخبار » رحلات «الموت» تتواصل وأرواح ضحاياها تحوم حولنا

رحلات «الموت» تتواصل وأرواح ضحاياها تحوم حولنا

ضحايا الهروب من الموت إلى الموت
ضحايا الهروب من الموت إلى الموت

لا يوجد «منفيست» يبين عدد ركاب السفينة، كحال سفن الرحلات الطبيعية التي تغادر من ميناء إلى آخر.. سفن تهريب ضحايا الحروب والمجاعة تغادر الشواطئ في جنح الظلام، محمَّلة بهؤلاء الأبرياء، من مختلف الأعمار، يغادرون من شاطئ إلى آخر، علّهم يصلون إلى أرض آمنة يعيشون فيها بقدر من الكفاف، بدلاً من المجاعة اليومية التي يتعرَّضون لها، أو القتل المجاني من كل حدب وصوب.

مخاطرة الهروب مغرية لهم، بوعود عصابة المهربين، الذين يقسمون الأيمان، بأن مراكبهم سليمة، وتوصلهم إلى أقرب نقطة أوروبية، ومن هذه النقطة سيكونون في ملجأ إيواء حالما يعتقهم البحر ومنه إلى الدول الأوروبية، ولكنها محض أكاذيب، إذ سرعان ما يجدون أنفسهم في عرض البحر مع ركاب أو ضحايا جدد تتناقل أخبارهم وسائل الإعلام، مشهداً أو خبراً، وآخرها منذ أيام، بعد جنوح سفينة قذفت بهم إلى قاع البحر.. العدد لا يُعرف على وجه الدقة، فلا يوجد «منفيست» بأسماء ركابها.. فقط بشر من دون أسماء، قيل بداية 650 ضحية، ثم 700، والأمم المتحدة أعلنت أن عدد الضحايا بلغ 800، من واقع أقوال الناجين منهم، وعددهم 27 شخصا!
بعدها جنحت سفينة أخرى وتحطمت أمام السواحل الليبية.. الناجون يحاولون الوصول إلى أيدي منقذيهم على الساحل، كما صوَّرت المشهد كاميرات التلفزة، منهم مَن يرتدي سترة النجاة، وآخرون يتشبثون بأي شيء طافح.

المنظر غير الواقع، فهؤلاء الضحايا يعومون في مياه شديدة البرودة، منهكون من السفينة والبحر، والموت المحيط بهم.. هؤلاء هم ضحايا الحروب في المنطقة، وهذه الحروب لم تنزل من السماء، بل من صنيعة مَن ينعم بالدفء وحلو العيش والقصور والأماكن المحصنة.. يوم واحد من تكلفة الحروب العبثية التي ساهمت بها بعض الدول الغربية والولايات المتحدة وتركيا وبعض الدول العربية قادرة على إعاشة مئات الأسر من ضحايا البحر والبؤس الإنساني، الذي حاق بهؤلاء، وأدَّى بهم إلى الغرق.. أطفال ونساء وكبار سن ابتلعتهم مياه المتوسط بمئات الأعداد، والدول الغربية تدعو إلى عقد قمة سريعة.. هل لعض أصابعها ندما على ما ارتكبته في ليبيا وسوريا والعراق، بعد أن فضح البحر المتوسط جرائمها؟

شروط المهرب

يحكي أحد الناجين من مياه المتوسط للتلفزيون الألماني، ويدعى خالد شهابي، روايته في عبور البحر هو وإخوته ووالدته عندما غادر سوريا إلى الإسكندرية ومنها التقى أحد المهربين المتمرسين في تهريب هؤلاء، وكيف أغراهم بالعبور البحري، وقص شهابي تفاصيل رحلته مع عائلته، عندما استقلوا قاربا صغيرا من الإسكندرية لمدة خمس ساعات، ثم وصلوا إلى عرض البحر، لتنقلهم سفينة أكبر، أمضوا فيها ثمانية أيام كاملة، أوصلتهم إلى جزيرة صقلية الإيطالية، ومنها وصلوا إلى ألمانيا سالمين, قال إن المهرب كانت لديه ثلاثة شروط: الأول دفع ثلاثة آلاف دولار عن كل راكب، والثاني عدم حمل إلا شنطة صغيرة جداً، حتى لا تثقل سفينة التهريب، والثالث التزود بسترة نجاة لكل راكب، وبالطبع أهمها التسليم المقدَّم للدولارات، قبل انطلاق الرحلة.. ثمانية أيام بزوادة صغيرة من الأمتعة والأكل البسيط في حيّز مكاني مؤلم، ولكنه أقل ضرراً من جنوح السفينة أو غرقها للوصول إلى جزيرة الأمان.

أرواح ضحايا المتوسط تحوم حولنا.. فماذا فعلتم بأوطاننا من قتل وتهجير وإفقار، لتمتد هذه الحروب العبثية من بقعة إلى أخرى، ناثرة أرواح البشر، براً وبحراً؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *