الرئيسية » قضايا وآراء » يوسف عباس شمساه : الاحتشام

يوسف عباس شمساه : الاحتشام

يوسف عباس شمساه
يوسف عباس شمساه

في مقال سابق لنا نشر في «الطليعة»، حمل عنوان «القراءة ومقص الرقابة»، عرجنا على أحد أسباب منع الكتب في الكويت، والتي لا تخضع للمنطق والعقل، ولا تحمل هوية وقاعدة واضحة يمكن الاستناد إليها، ولا تحمل عنوانا شاملا وصريحا، ويختلف تفسيرها من شخص لآخر، كلٌ وفق فهمه وبيئته وتعاطيه مع الأمور، فالأمر الذي يعتقد بصوابه وصحته نفر ما، قد يكون خطأ عند غيره.

وهذه الحال، للأسف الشديد، لا تقتصر فقط على جانب الاطلاع والنشر، بل برأيي، هناك ما هو أخطر من ذلك، ومفعل بطريقة عشوائية جدا، ألا وهو موضوع الحشمة واللباس المحتشم، الذي لن ينفك الناس من التذمر منه ومن الطريقة الانتقائية في تطبيقه وأسلوب فرضه عليهم، كذلك لا يخفى علينا جميعا حساسية هذا الموضوع في جعل العديد من المواطنين يتفادون حتى التطرُّق إلى تفاصيله، كي لا يوضعوا في دائرة الانحلال الأخلاقي، كما هو حاصل الآن من قِبل أناس يرون في أنفسهم العصمة، وفي غيرهم الخطيئة، وسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا أوصياء على الناس بغير وجه حق.

مفهوم الحشمة

الحشمة، كمفهوم، لا يحمل صفة ثابتة، يمكن إسقاطها على حالة معينة، لأن تفسيرها يختلف من مكون لآخر، لهذا ترى الاحتشام في الدول الغربية يختلف في منظوره عن الدول العربية، حتى دول الخليج تختلف مع بعضها في تفسير هذا المفهوم، فهو يخضع لتقدير الشخص نفسه، وفيما يراه صحيحا أو غير لائق، لذلك من الخطأ جدا أن نقنن مثل هذه المصطلحات «المطاطية»، ونفرض هوى أنفسنا على الغير، ونلزمهم بلباس محدد ومفصل، ونمنع حريتهم في اختيار ما يناسبهم، حتى لو جانبهم الصواب، بوجهة نظرنا، حيث إن لكل فرد الحق في اختيار ما يناسبه.

والكويت اتجهت في الفترة السابقة البعيدة، والتي مازالت، إلى غض النظر عن مشاكل المواطن ومطالبه والوضع السياسي غير المستقر ومشاكل التعليم والصحة والإسكان، واسترقت النظر فقط إلى ما يلبسه المواطن، وهل هو «محتشم» أم لا؟ فمنعت «الشورت» في الجامعات والكليات، وتركت الفساد الإداري بها، وشددت على عدم إتمام أي معاملة لمواطن وهو بلباس قصير، ولم تلزم نفسها حتى في السؤال عن سبب المعاملة السيئة التي يتلقاها المواطن في مؤسساتها الحكومية، ولا أعلم إلى الآن لماذا يعد اللباس القصير جرما ومخالفة، وكل هذا الفساد مباح ومصان؟

شخصيا لم أعد أهتم وأسمع لأصوات النشاز تلك، وأرى من واجبنا «الأخلاقي» أن نسحب بساط وصاياهم علينا وأفكارهم التي لا نقر بصوابها، ولا نكترث لنظرتهم ونظرة جماعتهم لنا، لأن الشخص الذي سمح لنفسه بأن يكون «مرشدا» أخلاقيا لن يجد مانعا مع الأيام في تجاوز أي حد شخصي.
نعم، قد يكون البعض مخطئا بلباسه، ولا تسمح لنفسك به، لكنك لا تملك الحق بتعيين نفسك قاضيا أخلاقيا، وتوجه أصابع الاتهام غير المحتشمة لذك الشخص، وترفع بوجهه عصا التأديب.

فاتركوا الخلق للخالق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *