الرئيسية » قضايا وآراء » عبد العزيز الجناحي : «الهرش».. الذي هز «عرش» إسرائيل!

عبد العزيز الجناحي : «الهرش».. الذي هز «عرش» إسرائيل!

عبدالعزيز الجناحي
عبدالعزيز الجناحي

خلال رحلة استغرقت 12 ساعة طيران، من الكويت إلى جزيرة السكر والابتسامات، جزيرة موريشيوس، احتفلت أمس بيوم ميلادي، وسط الغيوم، للمرة الأولى، وعلى ارتفاع يقارب أربعين ألف قدم عن سطح البحر، وفي أيام الميلاد هذه صنفان من البشر، منهم من توهَّم واعتقد أن الدنيا دار خلود، ومنهم من يؤمن بأن «الليالي تعدّه والأعمار تَفنى».

ولأن اليوم والزمن لا يمكن «خصخصتهما» وتملكهما، فهما ملك للجميع، لذلك ستجد أن يوم ميلادك يحتفل فيه غيرك، من الذين ولدوا قبلك أو بعدك.. ففي يوم الثامن والعشرين من أبريل، الذي احتفلت فيه أنا فوق الأرض، تحتفل أسرة صغيرة في اليوم نفسه بقرية العوجة -جنوب تكريت، بميلاد «ميت» تحت الأرض، الميت عندما كان «مش ميت» كان يخصص 25 مليون دولار، ويدعو 830 شخصية بارزة، ويجهز 350 جدارية، وينحت 20 تمثالا للبدء بمراسم عيد ميلاده!

نعم، هو صدام حسين.. ورغم الحصار الاقتصادي على نظامه، آنذاك، والفقر الذي صار صديقاً وفياً للشعب العراقي، أكل «الكيكة» وحده، وأذلَّ شعبه، فأُذل جنده، وهُزم من الأحزاب وحده.. وبعد ملايين الدولارات تلك، صارت أسرته (وحدها) تحتفل بميلاده، وهو تحت الأرض.. فلا ملايين خصصت له، ولا شخصيات حضرت إلى قبره.
يقول أحمد شوقي إن الناس صنفان؛ موتى في حياتهم.. وآخرون ببطن الأرض أحياء.. ولا أعتقد أن صدام حيُّ ببطن الأرض، فكل ما خلفه فوق الأرض موت ودمار وضياع لأراضينا، بحثت عن أولئك الذين سماهم شوقي بالأحياء في بطن الأرض، فوجدت مثالاً أعتبره صاحب الصفعة الأشد ألماً في وجه الكيان الصهيوني.. «سالم الهرش».
قبل أيام احتفلت مصر بذكرى طرد آخر صهويني من أراضي سيناء، إثر اتفاقية كامب ديفيد (المشؤومة).. سيناء لولا الله وسالم الهرش، لكانت في خبر كان.. من هو سالم الهرش؟

سالم هو شيخ مشايخ قبائل صحراء سيناء المصرية، وصاحب أكبر مقلب وأشد صفعة في وجه موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي، آنذاك، فبعد نكسة 1967 واحتلال إسرائيل لسيناء، أراد ديان أن يأكل الكتف المصرية عبر فكرة تدويل سيناء وانفصالها عن مصر، لكنه كان يجهل أن لحوم بدو سيناء مُرة، فبدأ يغري الشيخ سالم الهرش، ليس «بالإيداعات»، ولا بالنساء، بل عرض عليه أن يكون ملكاً على سيناء، وأن تطبع صورته على الجنيه السيناوي، في حال تأييده الانفصال.. الهرش، رحمه الله، تظاهر بتأييد الفكرة والموافقة عليها، بل قام بإكرام الموساد الإسرائيلي و»نزّل لهم الذبايح»، وأكلوا على مائدة واحدة، جنباً إلى جنب مع رجال المخابرات المصرية المتخفين بزي البدو، والذين كانوا على اتصال مباشر بالرئيس جمال عبدالناصر.

ذُهل موشي ديان من موافقة شيخ مشايخ سيناء على فكرته، فدعا مندوب من الأمم المتحدة وزعماء الكيان الصهيوني وشخصيات بارزة من حول العالم، إضافة إلى شاشات التلفزيون والصحافة الإسرائيلية ووكالات الأنباء العالمية وأفضل مخرج إيطالي، لإعلان ما أسماه بالمفاجأة.. وبالفعل، جاء الجميع إلى مؤتمر «الحسنة» في سيناء، وعلى رأسهم الشيخ سالم، المتظاهر بالموافقة.. اجتمع القاصي والداني، وغرقت المنصة ببريق عدسات الصحافة العالمية، وبعد كلمات الصهاينة، جاء دور الهرش، اعتلى المنصة، ثم قال: سيناء مصرية مائة فى المائة، ولا نملك فيها شبراً واحداً نفرط فيه، أما أنا، فلا أملك إلا نفسي وجسدي، فافعلوا بهما ما تشاؤون، أما سيناء، فمن يتخذ قرارها هم حكام مصر.

فكانت كلمته كالصفعة في وجه وزير الدفاع موشي ديان، بل إنه بكلماته هذه قصف جبهة الكيان الإسرائيلي برمة أبيه.. انفض المؤتمر بإحباط وذهول وصدمة إسرائيلية، واكتمل مشهد الصفعة، عندما علمت إسرائيل أن المخابرات المصرية نجحت في تهريب الشيخ وبعض من أسرته إلى الأردن، عبر ميناء العقبة، ومنه إلى القاهرة، ليستقبله الرئيس جمال عبدالناصر، ويمنحه نوط الامتياز من الدرجة الأولى.

ولمثل هذا البطل العربي، الذي مات وبقي اسمه حياً على صفحات التاريخ المشرفة، نقول ما قاله الشاعر: أيّها الأموات تحت الأرض عودوا.. فإن الناس فوق الأرض قد ماتوا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *