الرئيسية » آخر الأخبار » الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (1) : المواقف السياسية ذات الطابع القومي تراجع صداها في الشارع الكويتي

الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (1) : المواقف السياسية ذات الطابع القومي تراجع صداها في الشارع الكويتي

 الغزو العراقي للكويت أثر في الأطروحات القومية
الغزو العراقي للكويت أثر في الأطروحات القومية

كتب د.عبدالله الجسمي:
انتهيت من هذه الدراسة منذ ما يقارب العام ونصف العام، لكن حالت كثرة الانشغالات عن نشرها في وقت مبكر.. ومع إعادة قراءتها أخيرا، وطلب الرأي من بعض الشخصيات الوطنية والثقافية، الذين أبدوا، مشكورين، عدداً من الملاحظات عليها، إلا أنني اكتفيت بملاحظات محدودة جداً لم تمس النص الأصلي.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدَّث عن الحركة الوطنية الكويتية، وواقع المجتمع الكويتي، فإن هناك الكثير من أفكارها يتماشى مع الواقع السائد في المجتمع العربي، وإشكالياته السياسية والفكرية والثقافية، فالكويت جزء من الوطن العربي، وما يجرى فيه ينعكس عليها، نظراً للتشابه الكبير في الواقع الاجتماعي والثقافي.
وتتضمَّن الدراسة انتقادات للطريقة التي فُهم بها مفهوم «القومية» في الفترة التي ازدهرت فيها الحركة القومية العربية، وكذلك انتقادات للأيديولوجية بشكل عام، وآمل ألا يُقابل ذلك بردّ انفعالي أو عاطفي، لمن يرغب في الرد، إن وجد، على مضمون الدراسة، بل المطلوب رد عقلاني ومتجرد من الأهواء والعواطف والأدلجة، حتى يمكن الوصول إلى تصوُّرات وأفكار أفضل، لمصلحة التيار الوطني والمنتمين إليهمضى أكثر من عقدين على حدثين مهمين، كان لهما عظيم الأثر على الحركة الوطنية الكويتية، الأول كان غزو نظام صدام للكويت في عام 1990، وما تمخض عنه من تداعيات سياسية على الساحة المحلية والعربية والشرق الأوسط عموماً.

د.عبدالله الجسمي
د.عبدالله الجسمي

أما الحدث الثاني، الذي كان له صدى على مستوى العالم، وساهم بتغيير خريطته السياسية والفكرية، فهو انهيار المعسكر الاشتراكي في نهاية عام 1991، وتفكك الاتحاد السوفييتي وعدد من الدول المنضوية، سابقاً، تحت مظلة المنظومة الاشتراكية، وما تبع ذلك من تراجع وانحسار لقوى اليسار في مختلف بقاع العالم، وتسيُّد القوى الرأسمالية، وبروز ظاهرة «العولمة»، بقيادة منظري اقتصاد السوق، واتباع معظم أنحاء المعمورة للأنموذج الرأسمالي الغربي، الذي يقوم نظامه السياسي على التعددية والتداول الديمقراطي للسلطة، وفي شقه الاقتصادي على النظام الرأسمالي، خصوصاً اقتصاد السوق.

لقد أثر هذان الحدثان بشكل عميق في الحركة الوطنية الكويتية، فوجَّه الأول ضربة قاصمة للطرح القومي، الذي تميَّزت به معظم الاتجاهات والتجمُّعات المنتمية للحركة الوطنية، بمختلف شرائحها الاجتماعية والاقتصادية، ووجَّه الثاني، أيضاً، ضربة قوية للطرح الأيديولوجي، الذي تميَّزت به القوى اليسارية المحلية، فقد تراجع بريق الأفكار الاشتراكية والأطروحات اليسارية القائمة على مبدأ العدالة الاجتماعية المناهض للاستغلال الطبقي، الذي يمثله النظام الرأسمالي، ما أثر في أعضاء تلك الأطراف السياسية ومناصريهم، فانخرط بعضهم في الموجة العالمية الجديدة، وانقلب على أفكاره، رأساً على عقب، بينما حافظ القليلون منهم على أفكارهم.

لقد كانت القومية والأفكار اليسارية هما السمة الغالبة على القوى الفاعلة في الحركة الوطنية الكويتية، وكانتا تمثلان الوجهة الفكرية التي سارت عليها معظم مكونات التيار الوطني الديمقراطي، بعد تراجع الدور القيادي للتجار الوطنيين التقليديين، الذين حافظ البعض منهم على صلاتهم الوثيقة بقيادات العمل الوطني، واتسمت أطروحاتهم بالطابع الوطني الديمقراطي والقومي والدعوة إلى مجتمع أكثر انفتاحاً.

اهتزاز قومي واشتراكي

بالنسبة للطرح القومي، فقد أجهز غزو نظام صدام والمواقف المؤسفة التي وقفتها بعض الدول والشعوب العربية وبعض السياسيين والمثقفين العرب، التي تراوحت بين مؤيد للغزو أو معارض لوجود القوات الدولية، التي أدى دورها لاحقاً إلى دحر البعثيين من الكويت وتحريرها، على الأطروحات القومية التي كان يتضمنها الخطاب السياسي الوطني، فقد هزت تلك المواقف، بلا شك، قناعات العديد من السياسيين المحليين المنتمين للتيار الوطني الديمقراطي، وانسحب الأمر، أيضاً، على المستوى الشعبي، حيث أفضت بعض المواقف العربية أثناء غزو نظام صدام إلى ردة فعل شعبية كبيرة، أثرت بشكل كبير في الأفكار والمواقف السياسية ذات الطابع القومي، وتراجع صداها في الشارع الكويتي، خصوصاً في الفترة التي تلت تحرير الكويت مباشرة.

أما بالنسبة للأفكار اليسارية، فقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، ككل، إلى تراجع الاهتمام العالمي بالاشتراكية، وحدوث فراغ فكري وأيديولوجي، يجمع المطالبين بتحقيق العدالة الاجتماعية للفئات المهمَّشة ومحدودة الدخل، وخلق واقعٍ يحد من استغلال الإنسان للإنسان.

تحوُّلات جديدة

خلق هذان الحدثان وما تلاهما من أحداث وتطورات – خصوصاً في تكنولوجيا نقل المعلومات والنزوع نحو العولمة – أوضاعاً جديدة للقوى الفاعلة في التيار الوطني الديمقراطي والحركة الوطنية عموماً، فقد كانت التوجهات الفكرية السياسية إطاراً جمع العديد من فئات وشرائح المجتمع، وخلق إطاراً لوحدة فعلية تجاوزت التقسيمات الفئوية والاجتماعية والاقتصادية، فالفكر القومي كان إطاراً عمل فيه كل مَن كان يرى الكويت وشعبها جزءاً من الأمة العربية، ويربط مستقبل الكويت بمستقبلها، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية والاقتصادية.

أما الفكر الاشتراكي، فقد جمع المهمشين وأصحاب الدخل المحدود، من مختلف الشرائح الاجتماعية، وتجاوز تقسيم المناطق الذي فرض على المجتمع، ومثل وسيلة لتطوير واقع تلك الفئات عبر فاعلية التيار الوطني الديمقراطي، التي استمرت حتى الثمانينات من القرن المنصرم.

مأزق الوطنيين

لقد كان الانتماء الفكري السياسي، هو الرابط الذي جمع المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومثل طريقاً يسيرون عليه، لتحقيق غاياتهم المنشودة لمجتمع تسوده الحريات، ويتخلله أكبر قدر من العدالة.

لقد خلق تراجع البُعد القومي والفكر الاشتراكي مأزقاً حقيقياً للحركة الوطنية الكويتية، فمن جانب فقدت القوى الفاعلة فيها بوصلتها الفكرية، وأصبحت تعيش فراغاً فكرياً، وأخذ سؤال «الهوية» يطرح بقوة، وتضاربت الآراء بشأنه، ومن جانب آخر، نتج عن غياب الفكرالسياسي صعوبة صياغة برنامج وطني شعبي محدد المعالم يحدد الشرائح التي يخاطبها أو يمثلها التيار الوطني الديمقراطي، فتضاربت الآراء تجاه العديد من القضايا ومشكلات المجتمع، سواء في تحليلها، أو اتخاذ مواقف منها، وأدَّى ذلك إلى تفكك بعض مكونات التيار، أو خضوعها لحالة من المد والجزر، حيث تلتئم تارة، وتنقسم تارة أخرى.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *