الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : عجز الإدارة سياسياً .. سبب الاختلال اقتصادياً

عبدالله النيباري : عجز الإدارة سياسياً .. سبب الاختلال اقتصادياً

عبدالله النيباريأشاع خطاب صاحب السمو أمير البلاد خلال افتتاح اعمال اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية جواً من التفاؤل بتركيزه، محذرا، على الاختلالات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الكويتي بسبب سوء استخدام الفوائض المالية نتيجة الهدر في الانفاق الاستهلاكي غير المسؤول، والافراط في الانفاق الجاري غير المنتج والارتفاع الضخم في أعباء ميزانية الدولة، مما أدى الى تعمق الاختلالات وتعقدها، مؤكداً على ضرورة اجراء مراجعة جادة لا تقبل التباطؤ في واقع سياساتنا الاقتصادية، والمبادرة لاتخاذ اجراءات تصحيحية قد تتطلب التضحيات.

والسؤال الان بعد ان قرع رئيس الدولة جرس الانذار والتحذير، هل ستفيق مؤسساتنا المسؤولة ابتداء من مؤسسة الحكومة وأعضاء السلطة التشريعية للتجاوب مع هذا النداء، واتخاذ ما يلزم من اجراءات حازمة للتصحيح ام ستستمر في نهجها لزيادة الاختلالات؟..

واقع الحال، وعلى الرغم من موجة التفاؤل التي اطلقها الخطاب، يقول ان تجاربنا السابقة لا تعزز الأمل بأن يتحول التفاؤل الى خطوات عملية جادة تنعكس في انتشال الواقع الاقتصادي المختل نحو وضع أفضل.

فأعضاء اللجنة، معظمهم ان لم نقل كلهم، سواء كانوا وزراء حاليين أو سابقين أو اعضاء مجالس التخطيط، مشاركون في صناعة القرارات الاقتصادية التي أدت الى الاختلالات التي نشكو منها اليوم.

لم يمض على اقرار خطة التنمية الاقتصادية اكثر من سنتين، وهي في الحقيقة، وبالتوصيف الاقتصادي ليست خطة وانما برنامج للانفاق على الانشاءات، ومع ذلك، فهي تتعثر ومن غير المتوقع ان تحقق أهدافها حتى في انجاز برامج الانشاءات في مجال الاسكان والطرق والمجاري والكهرباء والمواصلات والاتصالات، ودع عنك تعزيز دور القطاع الخاص، والتنمية البشرية التي انكشف تعثرها في قضية المتقدمين للجامعة.

ومن غير المتوقع ان يقوم القطاع الخاص بتوظيف استثمارات بقيمة 3.426 مليارات سنوياً وباجمالي 17 ملياراً في خمس سنوات بنسبة 46.3 في المائة من اجمالي الاستثمارات المطلوبة في الخطة الخمسية، وان يستوعب هذا القطاع 65 في المائة من المواطنين الداخلين الى سوق العمل لترتفع نسبتهم من 17 في المائة الى 30 في المائة من اجمالي قوة العمل الوطنية وترتفع نسبتهم من اجمالي العاملين في القطاع من 4 في المائة الى 8 في المائة.

بل على العكس من ذلك، ان الاكثر احتمالا هو هجرة العاملين في القطاع الخاص الى القطاع العام بعد الزيادات الكبيرة في المرتبات والمزايا التي أُقرت بقوانين الكوادر للقطاع العام، مما قد يجهض قانون دعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص.

وفي اوضاع القطاع الخاص المأزوم تشير البيانات الى ان نصف الشركات المدرجة في سوق الاوراق المالية انخفضت أسعارها السوقية الى اقل من السعر الاسمي، ومنها شركات مضى عليها عقود، وهذه الشركات معرضة للافلاس، اذ على الاقل هناك خمسون شركة تكاد تفقد جزءاً كبيراً من رأس مالها ومن حقوق المساهمين، وهذا سيؤدي الى تقليص العمالة في هذه الشركات.

ومثال آخر على صعوبة التصحيح، هو ان الانفاق العام الذي تضاعف حوالي اربع مرات في ست سنوات اصبح مكبلاً بقوانين، وانشأ حقوقاً، فالزيادات التي رفعت مجموع المرتبات وما في حكمها زائداً الاعانات الى ما يفوق تسعة مليارات اي حوالي 50 في المائة من اجمالي ميزانية الدولة التي وصلت الى رقم فلكي (19.5 مليار دينار). هذه قوانين يصعب نقضها، وحقوق نشأت يصعب تقليصها، فهل يتخيل احد إمكانية تخفيض الرواتب. ان ترجمة الاختلالات التي أشار اليها خطاب صاحب السمو تعني انها في طريقها للزيادة لا النقصان.

ولو افترضنا ان الانفاق العام الذي تتضمنه ميزانية الدولة سيزداد بمعدل 7 في المائة، وهو معدل اقل من سجل الزيادات في السنوات العشر الاخيرة، فسوف يؤدي ذلك الى مضاعفة الميزانية الى حوالي 40 مليار دينار، واذا كانت الميزانية الحالية تتطلب سعراً لبرميل النفط 90 دولاراً فان مضاعفة الميزانية تتطلب سعرا للتوازن لا يقل عن 180 دولاراً خلال عشر سنين. وهذا دون الاخذ بعين الاعتبار ارتفاع تكاليف الانتاج وزيادة الاستهلاك المحلي للنفط ما يؤدي الى خفض الصادرات.

المشتركون في اللجنة الموسعة، وكذلك اللجنة المصغرة شاركوا في وضع برامج وتوصيات للتصحيح كلها وضعت في الادراج، اضافة الى توصيات المستشارين الدوليين والمؤسسات الدولية.

حقيقة الامر ،ان سبب الاختلالات في واقعنا الاقتصادي هو العجز المزمن في الادارة، ونقصد ادارة شؤون البلد ليس اقتصاديا بل ادارة سياسية بالدرجة الاولى.

العلة ليست في التشخيص والتحليل وابتداع التوصيات، وما أكثرها ملء الادراج، العلة تكمن في التنفيذ نتيجة افتقاد القرار الحازم وتغليب المصالح الخاصة والانتفاع واستشراء الفساد الذي تعجز عن حمله الافيال. وهو ما يتطلب معالجة مختلفة وليس منها لجان استشارية تلد لجاناً اخرى.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *