الرئيسية » قضايا وآراء » عبد الله النيباري : سقوط عرش الإخوان في مصر

عبد الله النيباري : سقوط عرش الإخوان في مصر

عبدالله النيبارياستجابة لدعوة «تمرد» التي أطلقها شباب الثورة في مصر بعد جمع ما يفوق 22 مليون استمارة، مطالبة بتنحي مرسي وإجراء انتخابات مبكرة، لم تبق قرية أو مدينة أو محافظة لم تنهض فيها جماهير الشعب ملبية النداء، مطالبة «ارحل يا مرسي»، وامتلأت الميادين بالتجمعات وليس في التحرير في القاهرة فقط ، ولكن في كل المحافظات من الشمال في دلتا مصر إلى أقصى الجنوب في الأقصر وأسيوط والمنيا.

يقول مراسل الـ «بي بي سي» البريطانية «ان ميدان التحرير امتلأ قبل الساعة الخامسة من يوم الأحد موعد التجمع حتى لم يعد يتسع للمزيد».

وهكذا كانت الميادين الأخرى في الاتحادية وفي الاسكندرية وبورسعيد والمحلة، حتى أصبح هناك ما لا يقل عن عشرة ميادين تدفقت إليها ملايين المواطنين، التي تفاوتت تقديراتها بين 14 مليوناً و17 مليوناً وصفت بأنها تجمعات فاقت التوقعات، بل فاقت الخيال، ووصفت أيضا بأنها أضخم حركة احتجاج في تاريخ مصر، بل في تاريخ الشرق الأوسط ، وربما في تاريخ البشرية، بحيث يصعب استدعاء الذاكرة لاستحضار تظاهرات مشابهة.

هذه التظاهرات التي استوعبت الغالبية العظمى للشعب المصري كانت صفعة ساخنة لـ «جماعة الاخوان»، الذين اصابهم الذهول فأطلقوا العنان لخيالهم المريض باتهام كل هذه الملايين، بانهم فلول النظام السابق وبلطجية وثورة مضادة، ولم يجد رئيسهم مرسي في آخر خطاباته إلا مهاجمة أفراد، واستنكر المراقبون والإعلاميون هذا السلوك من رئيس جمهورية في أشد الأوضاع التي تواجهها مصر حرجاً، وفي ظرف يتطلب منه اتخاذ موقف لرأب صدع الانقسام والاستقطاب، الذي تعيشه مصر، ويخشى معه  أن تصل الأمور إلى احتراب أهلي، إلا أن الرئيس مرسي بدلا من خطاب للوفاق تحدث بما يزيد فجوة الانقسام – لدرجة ان المصريين علقوا بالقول ان خطاب مرسي عزز عزم المصريين على المشاركة في الاحتجاج، وقالوا «بطرافتهم المعهودة: «ان مرسي يعمل من تحت الطاولة لمصلحة حركة «تمرد».

ولم يقتصر إطلاق الاتهامات وشتم المخالفين للاخوان في مصر، بل شارك فيه جميع فروعهم خارج مصر.

وهكذا فعل قياديوهم في الكويت، مكررين الاسطوانة المشروخة نفسها والأفكار المريضة ذاتها.

كتب مبارك الدويلة في «القبس» الأحد 30/6/2013، مقالاً بعنوان «نهاية جبهة الخراب»، هاجم فيه التيارات الليبرالية والعلمانية والقومية المناهضة للاسلام، والتي ستظهر على حقيقتها يوم 30/6، وستعلن كفرها بالعمل السياسي والممارسة الديمقراطية، وأن لا صحة لاتهامها الاخوان والتيارات الدينية بالتسلط والتفرد بالرأي وكبت الآخر، ولم يقصر السيد الدويلة هجومه على المعارضة في مصر، بل وسعه ليشمل كل المعارضين لهيمنة الاخوان في العالم العربي عندما قال: «الغريب ان ملة الكفر واحدة! فها هي التيارات الليبرالية والقومية في بقية العالم العربي تؤيد ما يمارسه إخوانهم في مصر من رفض لنتائج العملية الانتخابية، بل تؤيد الممارسات اللا أخلاقية والخارجة عن القانون بكل وقاحة..  لأنهم وخاصة مفكريهم وكتابهم ومؤيديهم لم يقبلوا الانصياع لنتائج صندوق الانتخاب، وأعلنوا منذ اليوم الأول أن مرسي والإخوان لا يصلحون للحكم! وأن غلمانهم  كانوا أشد منهم في مصر في ممارسة رفض الآخر حتى طلب كبيرهم هنا بقتل الإخوان وسحقهم». هذا ما جاء في مقالة الدويلة حرفياً.

ويمضي الدويلة يتوعد المعارضين للإخوان بأن يوم 30/6 سيكون يوم نهاية مخطط الفساد وسقوط جبهة الخراب ويضيف بإذن الله.

يا له من كلام راق في الديمقراطية واحترام الآخر، وآية في الخلق الرفيع، وما جاء فيه من بذاءات لابد أنها لم تكن مقصودة أو فلتة لسان أو شحطة قلم، لا ينبغي محاسبته عليها ، بل الترفع عنها، هكذا أن من يعارض الإخوان هم كفار يناهضون الاسلام الذي يمثله الاخوان وحلفاؤهم من التيارات الدينية.  ومن يخالفهم أو يعترض على هيمنتهم هم وقحون ولا أخلاقيون وهم ليسوا أكثر من غلمان.

الحقيقية أن هذا الكلام إن فعل شيئا، فهو قد كشف وعرى طريقة التفكير الإخواني، وهو «ستربتيز» سياسي لا أخلاقي يظهر الإخوان على حقيقتهم.

القوى المضادة للإخوان في مصر ليست فلولاً ولا ثورة مضادة، بل هم الشباب الذين فجروا ثورة 25 يناير، التي التحق بها الإخوان بشكل رمزي بعد بزوغ بشائر نجاحها وثورة « تمرد» وتظاهرات 30/6، هي ثورة تصحيحية لاستعادة الثورة التي سرقها الإخوان.

واتساع الحركة الاحتجاجية هي حصاد سوء ممارسة الإخوان سياسياً وفشلهم في إدارة شؤون مصر، التي أصبحت تعاني أزمة اقتصادية حادة وصلت لكل بيت.

يدعي الاخوان أنهم يحكمون بشرعية نتائج صندوق الانتخاب، متناسين أن مرسي لم يحصل إلا على 5 ملايين صوت في المرحلة الأولى، وهي تشكل 10 في المائة من إجمالي الناخبين، وهي حجم الإخوان الحقيقي.

وما أوصله إلى النجاح في المرحلة الثانية، هو أصوات الليبراليين والقوميين بمن فيهم جزء كبير من مؤيدي حمدين صباحي البالغين 4.8 ملايين صوت. هذه الأصوات ذهبت لمرسي لا حباً فيه، ولكن ضد منافسه أحمد شفيق. ولو كان منافسه في المرحلة الثانية حمدين صباحي أو أبو الفتوح أو عمرو موسى لما نجح.

ولكن بعد أن نجح مرسي وذهب لأداء القسم أمام جماهير 25 يناير في ميدان التحرير وفتح قميصه، ووعد بأنه لن يكون رئيساً لعشيرته من الإخوان، بل لكل المصريين، ولكنه أخلف وعده. فبدأ مسلسل الهيمنة على مفاصل الدولة، الذي يسميه الإخوان «التمكين»، بالاستحواذ على الوزارة بدلا من وزارة ائتلافية، وتبع ذلك المراكز الأساسية في الوزارات ذات الاتصال بقضايا الناس مثل «التربية» و«الصحة» والحكم المحلي و«الأوقاف»، وتبع ذلك تعيين المحافظين ثم الدعاة والأئمة في المساجد والسيطرة على منافذ توزيع المواد التموينية المدعومة. ومحاصرة القضاء وعلى الأخص المحكمة الدستورية العليا ومنع قضاتها من الوصول إلى المحكمة لمنع صدور حكم بإبطال مجلس الشورى ، بعد أن أبطلت انتخابات مجلس الشعب، وتخلص مرسي من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأصدر في نوفمبر الماضي اعلانه الدستوري، الذي حصن قراراته من نقضها بواسطة القضاء، ثم إقرار الدستور في جلسة واحدة ماراثونية امتدت 16 ساعة حتى الفجر من دون مشاركة واسعة، وطرح مشروع الدستور باستعجاله للاستفتاء الذي قاطعه 67 في المائة من الناخبين، وحصل على  موافقة 61 في المائة من 33 في المائة من الناخبين، أي أن الموافقة على الدستور تمت بموافقة 10 ملايين صوت نسبتها 20 في المائة من إجمالي الناخبين، ولا يوجد في تاريخ اقرار الدساتير اقرار دستور بهذه النسبة المتدنية.

واستمر الإخوان في تقويض أسس النظام الديمقراطي بالهيمنة على الصحافة القومية والقنوات الاعلامية ومؤسسات الثقافة والفنون.

وملاحقة وسائل الاعلام المستقلة والاعلاميين بعد إقالة النائب العام وتعيين اخر يتبع للاخوان. وهم بصدد إصدار نظام انتخابات لمصلحتهم رفضته المحكمة الدستورية، ولذلك اتجه الاخوان للتخلص من 3600 قاض عن طريق تخفيض سن التقاعد والدفع بقضاة من الإخوان أو موالين لهم.

لكن هيمنة الإخوان واستحواذهم على السلطة امتدت إلى الاقتصاد وأنتج أزمة اقتصادية، وصلت إلى شح القوت للعائلات الفقيرة بارتفاع اسعار الخبز والمواد الغذائية وسوء الادارة الاقتصادية،مما أدى إلى تفاقم العجز في الميزانية، الذي ارتفع إلى ما يفوق 200 مليار جنيه وانخفضت احتياطيات النقد الأجنبي من 36 مليار دولار إلى 13 مليار دولار، وتراجعت قيمة الجنيه المصري من 6 جنيهات للدولار إلى 8 جنيهات للدولار.

وواجهت البلاد انقطاع الكهرباء ونقص البنزين والديزل والغاز، وتوقف الكثير من المصانع لنقص الطاقة وندرة قطع الغيار، وكل ذلك أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وزيادة أعداد من يعيشون تحت خط الفقر، الذين تجاوزت نسبتهم 23 في المائة من السكان و23 اخرى مهددة بالنزول إلى تحت خط الفقر. هذه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية أدت إلى اتساع حركة الاحتجاج لأسباب اقتصادية واجتماعية تضافرت لزيادة معاناة الحياة اليومية للأغلبية العظمى من المجتمع المصري.

هذه الأوضاع هي الدافع لضخامة حركة الاحتجاج، التي فاقت بملايينها السبعة عشر سقف التوقعات، مما أدى بالجيش الى إصدار بيانه بالانحياز إلى حركة الشعب بعد أن سمع صوته بأقصى درجة من الاحترام والاهتمام.

وبات من المحتم أن يتلقى الشعب رداً على حركته.  وبذلك أصبح المشهد الحالي حسب تقدير الخبراء المصريين هو أن الجيش بعد انضمام الشرطة معه يقف مع 75 في المائة من الشعب في مواجهة 25 في المائة من جماعة الاخوان وحلفائهم.

أمام هذه المعطيات، فإن نظام حكم الاخوان ورئيسهم مرسي أصبح في عداد انتهاء الصلاحية ، ولم يبق إلا قراءة الفاتحة، ربما قبل أن يصل هذا المقال إلى القراء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *