الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : بناتي الثلاث.. عذرا!

ناصر العطار : بناتي الثلاث.. عذرا!

ناصر العطار
ناصر العطار

في كل زمان ومكان، نجد أن الطبيعة الكويتية محبة للفنون، وصاحبة آذان طربية، ولها في مجال الموسيقى رواد وأساتذة وأصوات جميلة.. وبرغم ما شاب هذه الطبيعة الطيبة من قساوة فكرية، من جراء التطرُّف الدخيل على إيمانها المتسامح، والانغلاق الذي أصابها بعد الغزو العراقي، فإنها ظلت قادرة على الإبداع الفني في كل الظروف، وتوَّاقة إليه في كل حال، وتعتبره أحد أهم وسائل التعبير عن وجودها والتأكيد على هويتها، فما زال منظر فائق عبدالجليل وعبدالله الراشد عالقا في الأذهان، وهما أثناء الاحتلال العراقي يقاومان الطغيان، بتأليف الكلمات والألحان، قبل أن يفارقا الحياة شهيدين برصاص الاحتلال، بعد أن عاشا مبدعين ومرهفي الحس. أظن أنه من الخطأ استغلال الطبيعة الكويتية المبدعة للتغطية على إخفاقات متوالية، وتعطيل متعمَّد لمسيرة البلد الديمقراطية.

قيمة الكلمة في الأوبريتات الوطنية، أن تعكس حقيقة أوضاع الوطن، بقدر المستطاع، ثم يأتي اللحن، ليضعها في إطار موسيقي يناسبها، لكن قبل أن أكتب عن تفاصيل ما أظن أنه خطأ، يجدر عليَّ أولا القول إن مجهود القائمين على الأوبريتات الوطنية في السنوات الأخيرة يُثير الإعجاب، ويستحق الثناء، وأنا لست بناقد متخصص أو موجه فني، حتى أتجرأ على تقييمها، سواء في كلماتها وألحانها، أو في ملابس الطالبات والطلاب المشاركين فيها، ورقصاتهم، لكن انطلاقا من مبدأ حرية الكلمة، أقول إنني أب لثلاث بنات صغيرات، يُعدن مشاهدة الأوبريتات باستمتاع يومي، بل ويتمايلون رقصا من فرط التفاعل مع الطالبات، ولا أرى في ذلك إلا تعبيرا عن الطبيعة الكويتية المحبة لأفراح بلدها وأعياده الوطنية العظيمة، إلا أنني أعتقد أن بعض الأبيات لم تكن موفقة، مع شديد احترامي وتقديري لمن كتبها ولحنها.. ففي بيت أحد الأوبريتات، يقول مؤلفها «سمعوا يا كل العالم.. الكويت تبقى الأولى وأغلى بلد في العالم»، يتناسى الشاعر هنا أن الكويت تصدَّرت المراكز الأولى في مجالات كثيرة، من دون أن نطلب من العالم أن يسمعنا، حين أصدرنا الدستور، وفتحنا أبوابنا، حتى من قبل إصدار الدستور لأحرار العالم، من سياسيين وأدباء ورسامين وجدوا في الكويت بيئة منفتحة تساند حرياتهم وتساند الحرية في كل مكان، فماذا تبقى من هذه البيئة وقائمة الممنوعات في الكويت، من كتب وشخصيات وحفلات وندوات أدبية، تزداد باستمرار؟

كيف من الممكن أن تكون مثل هذه الكلمات مقنعة، والحال على حقيقته يخالفها؟
لا شك أن الكويت غالية بلا عد، ولكي تحتل مكانتها اللائقة، علينا مصارحة أنفسنا، حتى يكون ابتهاجنا بأفراحنا بلا حد.

في بيت ثانٍ، تردد كثيرا في أوبريت البيت العود، جاءت كلمات تقول «أحب الناس يقولون لي هذا كويتي من حظه»، هنا أسأل بكل تقدير من صاغ هذه العبارة، هل سوء الحظ أم سوء الإدارة الحكومية، هو من أعاد أحوال الكويتيين للخلف؟

فبعد إقرار الدستور بفترة وجيزة صدرت قوانين تخالف الحريات في عام 65، ثم جاء تزوير انتخابات عام 67، ثم توالى الحل غير الدستوري لمجلس الأمة، وتغيير الدوائر الانتخابية والتجنيس السياسي ودعم الحكومة للتيار المتأسلم، وتشكيل مجلس وطني على أنقاض مجلس الأمة الملغى، فضلا عن أزمات المناخ والغزو.. فعلى أي أساس نحب أن يقول لنا الناس هذا كويتي من حظه؟ لقد وصل حال الكثير من الكويتيين إلى اللامبالاة نحو كثير من أمور بلدهم، فهل سوء الحظ هو المسؤول عن هذا، أم سوء التعليم وتغلغل الطائفية والتأخر في الإنجاز وفتح الأبواب لنواب الخدمات وعدم اتساق كثير من القوانين مع الدستور وعدم محاسبة مَن سرقوا المال وزوَّروا الشهادات الجامعية، وحصلوا على ما لا يحق لهم بأرخص الأثمان هو المسؤول؟

إذا كنا نحب أن يغبط الناس حظنا، ككويتيين، فأين نحن من اقتصاد متعدد المداخيل، ورياضة غير محتكرة، وتعليم يعتمد على الفهم لا الحفظ؟
إن كل خطأ يكاد يعود لتراخي السلطة التنفيذية عن تطبيق الدستور، ومحاباة بعض أطرافها لجماعات سياسية متمصلحة، أو أفراد لم يقدروا مسؤوليتهم تجاه الناس، فهل نعتمد على الحظ، لتصحيح أحوالنا، أم نتخذ قرار الإصلاح بجدية ونتوكل على الله؟

إن بناتي الثلاث لهن حق في الفرح، حين يتابعن الأوبريتات الوطنية.. وبحكم أعمارهن البريئة، لن يدركن الآن ما كتبته، لكني أعتذر لهن، فقول الحقيقة يسبق إعلان الفرح، وإن كان ما كتبته وجهة نظر تحتمل الخطأ.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *