الرئيسية » آخر الأخبار » قانون الحيازات الزراعية ورايتا الحكومة البيضاء والحمراء

قانون الحيازات الزراعية ورايتا الحكومة البيضاء والحمراء

 الأراضي الزراعية تحوَّلت لـ «زرع الفساد»
الأراضي الزراعية تحوَّلت لـ «زرع الفساد»

محمد الغربللي:
رايتان يرفعهما حكم المباريات الفردية، كالقفز العالي والوثب الطويل.. يرفع الراية البيضاء إذا كانت القفزة التي قام بها اللاعب سليمة، والحمراء إذا كانت القفزة أو الوثبة خاطئة، كتعدي خط البداية، أو إسقاط العارضة.. وغيرها من الأخطاء الأخرى.

ويبدو أن الحكومة تمتلك الرايتين أمام مجلس الأمة، فترفع مرة راية حمراء وتخفضها أو العكس.

رايتان مخفيتان غير ظاهرتين للعيان، لكن النتيجة تنبئ بوجودهما، فمثلا عندما قام عدد من النواب بتعديل مواد قانونية في قانون المديونيات الصعبة الصادر عام 1993، رفعت الحكومة الراية الحمراء، لما يُثير هذا التعديل من مشاكل وقضايا، ويفتح الباب واسعاً لاستنزاف جديد للمال العام، هي في غنى عنه، وأدَّى رفع الراية الحمراء إلى قيام بعض أعضاء اللجنة التشريعية، من الذين وافقوا على التعديل بسحب موافقتهم التي أبدوها في اللجنة، ومنهم من لم يسحب موافقته فقط، بل أعلن تبرؤه من هذا التعديل، الذي صوَّت عليه – كما صرح- من دون معرفة مترتباته المالية، وظلت راية الحكومة الحمراء مرفوعة، حتى وصل مقترح التعديلات إلى اللجنة المالية، التي رفضته، جملة وتفصيلا، فالراية حمراء لا لبس فيها، ولا تمازج بالألوان، والمقترح لم يُسقط فقط عارضة القفز، بل أسقط حتى عمودي الارتكاز اللذين تستند عليهما العارضة!

هكذا تأتي قوانيننا في الوقت الحالي، تحت ذريعة الإنجاز والتباهي به، وكأن بعض النواب يبسطون أكفهم اليمنى، ويفركون أكفهم اليسرى، ويقولون بلسانهم حتى لو لم يُسمع الصوت «حرّة».. ويكتفون بالإشارة منهم.

 راكان النصف
راكان النصف

قانون الحيازات الزراعية

يناقش مجلس الأمة، حالياً، مشروعا قد يبدو للقارئ أو الأعم من المواطنين، أنه غير معني به، وهو قانون الحيازات الزراعية، وهناك تحرُّك نيابي محموم، أو من بعض النواب، لتعديل المواد في هذا القانون، بتحديد مدة زمنية قدرها سنتان، حتى يتمكن من يحوز أرضا زراعية التصرف بها في البيع، بينما القانون الأساسي حدد المدة بـ 8 سنوات، كي يتمكن من حاز أرضا زراعية التصرف بها بيعاً بعد ذلك، فلماذا القصة تهم الجميع؟

منذ أن بدأت عملية الزراعة بالكويت في مطلع الستينات، كانت العملية تنحصر بتأجير أرض من منطقة العبدلي بداية، وامتدت إلى الوفرة، للقيام بزرع الخضراوات وغيرها من المنتجات الملائمة للبيئة الزراعية.. وفي السنوات الأخيرة غدا توزيع الأراضي الزراعية أداة تنفيع لبعض الأشخاص، فبدلاً من توزيع إيداعات مالية أو مبالغ ميسرة أو خدمات، يتم منح أراضٍ زراعية بمساحة 50 ألف متر مربع، ومن لا يريدها، يستطيع التنازل عنها وبيعها لمن يرغب بالشراء.

في العام الماضي، وعند توزيع القسائم الزراعيةـ كان العدد معروفا، وبهذا تم تقديم طلبات لمن يرغب بالحيازة الزراعية، وفي يوم التوزيع، جرى استبعاد ما يقارب المائة قسيمة زراعية، وتم حجزها لدى جهة حكومية عليا، ليتم توزيعها تحت نظرها ورغباتها لمن يريد!

أداة تنفيع

وهكذا، تحوَّلت الزراعة إلى أداة من أدوات التنفيع وشراء الولاءات والمواقف السياسية.

من أثار هذا الموضوع بشكل متواصل، هو النائب راكان النصف، وتم تشكيل لجنة برلمانية، لبحث أمر التوزيعات، وانكشف لها حجم التلاعب الكبير التي تم بشأن توزيع الأراضي الزراعية على الأصدقاء والمحسوبين والموصى بهم، وهنا بيت القصيد.. ففي مقترح تقليص المدة الزمنية للحيازة، كما يريدها بعض النواب، أنه خلال سنتين يمكن لصاحب الحيازة الزراعية بيعها، من دون عواقب، وهذا يعني استمرار هذا الموضوع، واستخدام القسائم الزراعية كأداة للفساد وشراء الذمم والضمائر والمواقف، بكل أنواعها، هو أيضاً نوع من «الزراعة»، ولكن زراعة الفساد لا أكثر.

في هذا الموضوع، وحتى الآن، ذراع الحكومة أو ذراعاها منخفضتان، فلا هي رافعة الراية البيضاء ولا الحمراء أمام مقترح التعديل، وبنفس الوقت تدير وجهها عن الموضوع كلياً، وكأن الأمر لا يعنيها، خلاف القوانين الأخرى التي ترفع من أجلها رايتها سريعاً.. قانون الحيازات الزراعية ذو بُعد سياسي، أكثر مما هو زراعي، حاله حال الأساليب الأخرى للإفساد، سواء كانت مالية أم عينية أم خدمية، فالنهر واسع وكبير ويشق طريقه في المجتمع بصور متعددة وبأغطية مختلفة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *