الرئيسية » ثقافة » لم تقيده عقدة الذنب.. وتجربة الحرب بالنسبة إليه إنسانية عامة

لم تقيده عقدة الذنب.. وتجربة الحرب بالنسبة إليه إنسانية عامة

غونتر غراس
غونتر غراس

كتب محمد جاد:
مواقف انتقادية ظل يُصرُّ عليها الكاتب الألماني غونتر غراس (16 أكتوبر 1927 ــ 13 أبريل 2015)، تمثلت في إنتاجه الأدبي النثري والشعري، الذي توج بالفوز بجائزة نوبل للآداب في عام 1999.

أدب غراس يتلو المآسي الإنسانية الكبرى، ولا يملُّ من تلاوتها، حتى لا تصبح الذاكرة الإنسانية في غياب دائم لما حدث وما يحدث وسيحدث، هو أدب انتقادي ومؤلم، أشبه بوخزات الضمير، على أمل أن يصحو هذا الضمير/الجمعي للإنسانية في يوم ما، ولا أدلّ على هذا، موقفه من عنصرية إسرائيل، والذي مُنع من دخول أراضيها.

لم تقيد عقدة الذنب غراس، كما فعلت بكثيرين، بل تجاوزها، وأصبحت تجربة الحرب بالنسبة إليه تجربة إنسانية عامة، يدرك كوارثها، ويخشى تكرارها، إذ يقول في إحدى أحاديثه القريبة قبل موته «نسمع في الفترة الأخيرة تحذيرات متكررة من حرب عالمية ثالثة، أتساءل أحياناً ما إذا لم تكن تلك الحرب قد بدأت بالفعل، بطريقة مختلفة تماماً عما عهدناه في الحربين العالميتين الأولى والثانية.. إذ يمكن عبر الإنترنت وحده عرقلة أنظمة وإدارة حروب اقتصادية، هذا يحدث بالتوازي مع نزاعات حربية تقليدية، مثل التي نشهدها في أوكرانيا وسوريا وأماكن أخرى».

نبش التاريخ الرسمي

«طبل الصفيح» تعد من أشهر روايات غراس، وهي رواية ضمن ثلاثية بعنوان (ثلاثية دانتزغ)، أولها «طبل الصفيح» أو «أصوات الهذيان» 1959، مروراً بـ «القط والفأر» 1961، وختاماً بـ «سنوات الكلاب» أو «البؤس» 1963. وقد تحولت «طبل الصفيح» إلى فيلم سينمائي عام 1979، أخرجه فولكر شلندروف.

أوسكار القزم بإرادته يحكي حياته وهو داخل إحدى المصحات النفسية، وقد اختار موقعه من العالم كقزم، حتى لا يقع تحت رحمة العاديين طوال القامة، أصحاب السلطة والتعاليم الفارغة «بقيت ذلك القزم ذا الأعوام الثلاثة والطفل الصغير غير القابل للمد أو الإضافة، بغية التحرر من أساليب التفريق التي تقوم بها التعاليم المسيحية، كبيرها وصغيرها، حتى لا أكون رجلا بالغا يبلغ طوله مترا وواحدا وسبعين سنتمترا، خاضعا لنفوذ رجل آخر يطلق على نفسه لقب أبي.. وكنت في أعوامي الثلاثة متفوقا بالذكاء مرات عديدة على أولئك البالغين الذين لا يجوز أن أقيس ظلي بظلهم.. بينما كان على الآخرين أن يصلوا إلى مرحلة الهذيان، بفعل التطور، حين يبلغون سن الشيخوخة».

فالإعاقة الحقيقة هنا هي إعاقة البالغين، والتي اكتشفها أوسكار، فاحتمى بسنتيمتراته القليلة تجاه هذا العالم. حالة العزلة القاسية هذه هي الأمل الوحيد، حتى لا يتلوث ولا يُصاب البطل بهذيانات الكبار/حكمتهم الموهومة وكلامهم الفارغ.

وإذا كان أوسكار احتمى بالجسد، فلابد من وسائل دفاعية تمثلت في صوته، سواء من خلال الدق على الطبل، أو الصراخ صرخات مُباغتة، فتحطيم الزجاج، ليس بالأمر العبثي، لكنه لمواجهة ما يحدث في واقع عبثي باقتدار «فليس هناك من يقوم بأعمال التخريب، إلا من كان يعبث، لكنني لم أكن عابثا، بل كنت أشتغل على الطبل. أما في ما يتعلق بصوتي، فإنه لا يستجيب إلا لنزعة الدفاع الذاتي المحض. كان الخوف والقلق هما اللذان دفعاني إلى استخدام أوتار حنجرتي استخداما هادفا».

أجساد الحروب المشوهة تقابلها أصوات المدافع والقنابل، أصوات تصم الآذان، فلنلعبها في الحياة إذن، وما الفارق أيها الكبار أصحاب الأجساد المكتملة والأصوات المتناغمة الشريرة، أصبح أوسكار بالفعل مرآة لأفعال الجميع، ما يكذبون بشأنه ويتمنونه في الوقت نفسه، هذه التشوهات لابد أن تحتل حيزاً من حياة البالغين وهذياناتهم الكبرى.

أبرز ما تموج به الطبل الصفيح، هو الموقف الانتقادي من شبهة العقول الواعية/الكبيرة والمُسنة، التي أدت بوعيها المغلوط إلى الحرب وتبعاتها، هذا التشويه المتعمد للجميع، بما فهم أوسكار الأمر وكأنه رد فعل يستوجب القيام به، هنا يبدو الانتقاد من كائن أو مخلوق يرى غير ما يراه الآخرون، وينتقد مواقف الجميع عن وعي حاد لا يلين، فيصبحون الأعداء ومُسممي حياته، ماذا عن التعليم ووجهة النظر إلى الفنون، والمناقشات والآراء السياسية؟

مجتمع كامل يقلبه البطل رأساً على عقب، وينبش في فساده، الأمر لا يهم ألمانيا بوجه خاص، هو توجيه اتهامات لأوروبا وحضارتها المزعومة في لحظة حكي الرواية، فأي حضارة هي؟! إنها حضارة الهذيان. فالحكاية تنفلت بوعي حاد من التوثيق، لتصبح إعادة نظر في الثوابت والمقدسات العقيمة، التي أدت إلى هذه النتائج، والتي إن استمرت، ستؤدي إلى نتائج أفدح بكثير. ولا أدل من هذا في أن يقوم البطل بسرد حكايته من داخل مصحة للأمراض العقلية، فهو لم ولن يكون ضمن مفردات العالم/عالم الهذيانات المقدسة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *