الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : مشكلتنا ليست الفساد.. بل عدم مساءلة المفسدين!: رداً على تطاول الخازن بحق الكويتيين

عبدالله النيباري : مشكلتنا ليست الفساد.. بل عدم مساءلة المفسدين!: رداً على تطاول الخازن بحق الكويتيين

عبدالله النيباريالأستاذ جهاد الخازن، وهو صحافي كبير وعريق وقلم حاذق وعلاقات واسعة مع الكثير من المسؤولين العرب، وخصوصاً الحكام في دول الخليج العربي، لا يرى أن المعارضة في الكويت، وكذلك في البحرين، لديها قضية. ففي مقابلة له مع إذاعة لندن (بي بي سي العربية)، هاجم المعارضة في البحرين، واتهمها بأنها تريد القيام بانقلاب، لإقامة حكم المرشد، مثل إيران، وأن عيسى قاسم وعلي سلمان خريجا الحوزة في قم، ولم يشر إلى قوى المعارضة الأخرى،

من مجاميع القوى السياسية، كجمعية العمل الديمقراطي التي يقبع أمينها العام السابق إبراهيم الشريف في السجن، لأنه فقط شارك في تجمُّع وألقى خطابا، ولا جماعة المنبر الديمقراطي التقدمي، ولا التجمع القومي، ولا التجمع الوحدوي، ولا جماعة الإخاء، وهؤلاء إلى جانب جماعة الوفاق، جميعها لها عمق تاريخي في الحراك السياسي في البحرين والمطالبة بإصلاحات ديمقراطية تمتد إلى عقد الخمسينات من القرن الماضي، بقيادة هيئة الاتحاد، بزعامة الباكر والشملان وكمال الدين.

واختزال المعارضة ومطالبها في الإصلاح الديمقراطي في عيسى قاسم ومشميع فيه ظلم وتجاهل، وقد أقول افتئاتا على شعب البحرين.

نعم، هناك استقطاب طائفي، أطرافه التيارات الإسلامية (الشيعة، الإخوان، والسلف)، ومواقفهم إلى جانب السلطة، وغلاة متطرفون في الجانب الشعيي، مثل الشيخ عيسى قاسم وحسن مشيمع، ولكن أن تصل درجة الانحياز لوضع كل هؤلاء في سلة واحدة، فذلك أمر غير مقبول.

صحيح أن هناك شعارات سقفها عال، ولكن ما يجمع المعارضة، بجميع أطيافها، هي العودة إلى شيء مثيل لدستور البحرين في عام 1973، وهو أساس التفاهم بين ملك البحرين والجماعات السياسية الذي انبثق منه الإجماع على ما عرف بالميثاق.

الكويت

منظار الأستاذ الخازن تجاه البحرين طبَّقه على الكويت، وعلى حراكها السياسي، واختزال الحراك الشعبي السياسي في الكويت، للمطالبة بالإصلاح الديمقراطي، والذي تمتد جذوره إلى العشرينات من القرن الماضي، وحركة المجلس الوطني الديمقراطي عام 1938، وحراك الخمسينات، الذي أفضى إلى إصدار الدستور الكويتي لعام 1962، ثم الصراع بين القوى الشعبية والسلطة ضد تزوير الانتخابات عام 1967، وبيان الاستنكار الذي وقع عليه عبدالعزيز الصقر ومحمد عبدالمحسن الخرافي ويوسف إبراهيم الغانم ومحمد الرشيد، إلى جانب كتلة نواب الشعب، بزعامة د.أحمد الخطيب وجاسم القطامي وسليمان خالد المطوع ومحمد مساعد الصالح وعبدالرزاق خالد الزيد الخالد وعلي عبدالرحمن العمر وأحمد السعدون والنقابيون حسن فلاح العجمي وحسين صقر وصالح العنزي، ثم موقف هذه القوى نفسها من حل مجلس الأمة، وإيقاف العمل بالدستور وتشكيل لجنة لتعديله، والتي بدورها رفضت تعديلات الحكومة، ثم استنكار حل مجلس الأمة مرة ثانية عام 1986، وما أدى انطلاق حركة احتجاج عرفت بحركة الدواوين، وهي شبيهة بحركة الاحتجاج الحالي.

الأستاذ جهاد الخازن اختزل ما يمكن أن نسميه بتواضع (فنحن على قد حالنا) بنضال الشعب الكويتي لبناء دولة القانون وتطوير المشاركة الشعبية في نظام ديمقراطي كامل الدسم ومستوف الشروط، وهو ما يسمح به دستور الكويت لعام 1962، لو أن السلطة التزمت به وطبقته، والعودة إلى العمل بالدستور هو ما طالب به وأكده ميثاق جدة، الذي انبثق من المؤتمر، الذي انعقد إبان الغزو العراقي للكويت عام 91/90، وعبَّر عن جوهره الراحل عبدالعزيز الصقر رئيس المؤتمر، بأن المطلوب هو التطبيق الجيد للدستور، واضعاً تحت كلمة «الجيد» ثلاثة خطوط، لأن ما لا يريد أن يعرفه الأستاذ الخازن ولا يقتنع به أو يستكثره على الشعب الكويتي، هو التطبيق الجيد للدستور، والانحراف عن ذلك هو سبب المشاكل السياسية والصراع بين القوى الشعبية والسلطة.
الأستاذ الخازن اختزل كل ذلك في مسلم البراك وأسلوبه، أي خطابه السياسي في المعارضة التي لا يتفق معها الكثير من الكويتيين، وأنا واحد منهم، ولكن في الجوهر، المطالبة بالإصلاح السياسي والتطوير الديمقراطي وبناء دولة القانون ومكافحة الفساد والارتقاء بإدارة الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وهنا يضرب الكويتيون نموذج كفاءة الإدارة في دبي.. كل هذه المسائل هي العمود الفقري الأساسي لمطالب الكويتيين منذ تسعين عاما وحتى الآن.
الأستاذ الخازن يقول إن من حرر الكويت من الغزو العراقي هم حكام الكويت، والفضل للشيخ جابر والشيخ سعد والشيخ سعود الناصر الصباح سفير الكويت في واشنطن، الذي أقنع الإدارة الأميركية بالدخول في حرب لتحرير الكويت (شوية جايدة، يعني كبيرة ما تنبلع).

لا أعتقد بأننا في موضع تقاسم الأنصبة، فكل هؤلاء لهم دور في تحرير الكويت، ونعترف جميعا بأنه لولا القرار الأميركي، لما تم تحرير الكويت، ولكن في التفاصيل الدور الأساسي للشعب الكويتي والصامدين في الداخل، بما فيه المعارضة، التي قال بازدراء إنها لم تفعل شيئاً على الإطلاق لتحرير الكويت، التي هرب زعماؤها (ولا أدري من يقصد بزعمائها.. الخطيب والصقر والقطامي؟) في الصحراء يحثون التراب أو أغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً.. هكذا يصل الخازن إلى لغة التحقير، يا أستاذ جهاد في ذلك الوقت، لم يكن مسلم البراك نائبا أو قائداً سياسياً في المعارضة، فمن تقصد؟
وكشهادة شخصية كواحد ممن لم يهربوا إلى الصحراء، ولم يغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً، أقول لم يكن هذا دأب الصامدين في الكويت.. نعم، لم يقوموا بحرب على النمط الفيتنامي أو الجزائري، لكنهم رفضوا بإباء الخضوع أو الانصياع لإرادة الغزاة، رغم عنفهم وقسوتهم، قاوموا بما يستطيعون في مواجهة قوة عسكرية في كل شارع وكل زاوية، وكانت صيحات الاستنكار تخرج من فوق السطوح كل ليلة.
والأهم من كل ذلك أنهم رفضوا تشكيل حكومة خاضعة، وكان رد الشهيد فيصل الصانع، الذي طلبوا منه رئاستها، الرفض القاطع والصريح، قائلا: أنتم اليوم غزاة، وأي أمر من هذا النوع يحتاج لموافقة الكويتيين في الداخل والخارج.

وكان ثمن هذا الرفض، هو غياب فيصل الصانع واثنين من أقربائه، خالد وعبدالعزيز.
الأستاذ جهاد يقول إنه لا يعرف بطلاً حقيقياً في الغزو إلا الشيخ فهد الأحمد.
طبعاً أنت معذور، ربما لا تعرف إلا الشيوخ!
الشهيد الشيخ فهد الأحمد لم يقتل في معركة، بعد استيقاظه متأخراً ذهب لقصر دسمان، مقر الشيخ جابر، فأصابته رصاص على بوابة القصر.
الأستاذ جهاد لا يعرف عن الشهيد مبارك النوت المطيري، الذي رفض إنزال صورة الشيخ جابر بمقر إحدى الجمعيات التعاونية، ولا يعرف عن حسين قبازرد، الذي استشهد مقاتلاً في الجابرية، ولا يعرف عن عادل الرقم، الذي اعتقل حاملاً أسلحة في سيارته، ولا يعرف أسرار القبندي، ولا وفاء العامر، ولا مجموعة الضابط الكبار، وعلى رأسهم يوسف المشاري.
ولا يعرف عن عبدالله العمر، ولا عبدالله الحداد.. ولا ولا، وأمامي كشف بـ263 شهيداً وغائباً، بعضهم توفي لأسباب صحية، لكن الأغلبية، إما هم قتلى أو مغيبون، اختطفهم جنود صدام.
الأستاذ جهاد يقول بأن الكويت أفضل بلد عربي، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وعليكم أيها الكويتيون أن تحمدوا النعم، يعني باللهجة الكويتية «بوسوا أياديكم بالمقلوب».
نعم، الكويت يتمتع أهلها بمعدل دخل قومي وفردي مرتفع جداً، وهامش الحريات واسع، بالمقارنة مع دول الخليج ودول عربية أخرى، وينقل عن جاسم الخرافي رئيس البرلمان السابق «أن مشكلة الكويتيين أنهم لا يوجد عندهم مشكلة».

يعني يا أيها الكويتيون «كلوا واسكتوا وبلاش شوشرة».
في الحقيقة، رغم هذا الثراء وهذا الغنى، وظاهرة الاستهلاك الترفي، لدرجة الافراط، إلا أن الكويت فيها مشاكل ومعاناة واستمرار هذه المشاكل تولد الغضب والاحتقان، وهو أحد أسباب الحراك الشبابي الذي هو جزء من المعارضة والاحتجاج التي ليست مقصورة على مسلم البراك، ولا على أعضاء المجلس المبطل، والذي لم يترك شتيمة إلا ووصفهم بها، فسماهم بالخوارج والفلول والغوغائيين والانتهازيين، وكل ما يوجد في القاموس من شتائم، لأنهم يعترضون على المجلس الحالي، ويريدون إلغاء نظام الصوت الواحد، ويتهمهم وبقية من يعارض مرسوم الصوت الواحد، بأنهم لا يفهمون الديمقراطية التي أسسها الصوت الواحد.
ولي ملاحظتان، الأولى أن الصوت الواحد في بريطانيا وأميركا أن الدائرة الواحدة لها ممثل واحد، أما الخلل محل الاعتراض في مرسوم الصوت الواحد، أن الناخب يختار واحدا من عشرة، وهذا أدى إلى نجاح مرشحين لم يزد ما حصل عليه أول العشرة على 8 في المائة، والعاشر وهو آخر الناجحين على 2 في المائة، ليس من أصوات مجموع المقترعين من الناخبين، ولكن فقط من أصوات الدائرة التي ترشح فيها، وهي واحدة من خمس دوائر.
فالأمر مختلف عن بقية ديمقراطيات الصوت الواحد لمرشح واحد في دائرة تنتخب واحداً فقط، ويحصل عادة على نسبة أصوات لا تقل عن 30 في المائة، والمشكلة في هذا النظام أنه يفتح أبواب الفساد، من رشوة وواسطات وخدمات، إلى جانب العلاقات الاجتماعية، أسرية أو قبلية أو مذهبية، وهو ما يزيد من انقسام وتفتت المجتمع، فهو لا يطور الحياة البرلمانية، ولا يدعم التلاحم الاجتماعي والوحدة الوطنية.
أما الملاحظة الثانية، فهي أن أهل الكويت منذ المجلس التأسيسي اختاروا نظام الدوائر العشر والناخب يختار خمسة مرشحين، يعني إذا كنت تعيب على نظام الدوائر الخمس أن الناخب ينتخب أربع مرات، فالنظام الذي أقره المؤسسون كان الناخب ينتخب خمس مرات، ونظام الدوائر الخمس بأربعة أصوات كان مطلبا شعبيا وبداية الحراك السياسي بشعار نبيها (نريدها) خمس، ومشروع القانون الذي أقره مجلس الأمة عام 2006 كان مقدماً من الحكومة، وطبق في ثلاثة انتخابات، وانتخابات المجلس لعام 2012، الذي أبطل، جاء بأغلبية، على خلفية فضيحة الودائع المليونية في حسابات ثلاثة عشر نائبا، والدعوة بحقهم بناء على بلاغ من البنوك وليس من المعارضة، والدعوة حركتها النيباية، والمحكمة لم ترد الدعوى، ولكنها قالت بأن قانون مكافحة تهريب الأموال لا ينطبق عليها، لأن مصادر الأموال داخلية.

ورداً على ما جاء بمقالاتك، بأن الفساد في الكويت موجود لكنه محدود، أشير هنا إلى تصريح سابق لسمو الشيخ صباح الأحمد، الذي قال فيه بأن الفساد في الكويت لا تستطيع حمله الجمال (البعارين).
المشكلة التي يتفق عليها كل الكويتيين، هي ليس فقط شيوع الفساد، ولكن عدم مساءلة المفسدين، فلدينا سرقة احتياطيات الدولة المستثمرة في الخارج، وسرقة الناقلات والإيداعات المليونية والتحويلات للخارج، والاستيلاء على أراضي الدولة بثمن بخس، لتصبح وسيلة للإثراء غير المشروع.
وإلى جانب كل ذلك، فالمجتمع الكويتي ذو النمط الاستهلاكي المترف، فهناك بطالة 20 ألف متخرج من مؤسسات التعليم، وقائمة طلب السكن زادت على المائة ألف، والشاب الكويتي لا يكفي مرتبه لشراء سكن.
وهناك شكوى من سوء الإدارة الحكومية وترديها وانخفاض مستوى التعليم والخدمات الصحية، رغم ارتفاع ما ينفق عليها.
في الختام، من يختلفون مع أغلبية المجلس المبطل ومع أحمد السعدون ومسلم البراك، يختلفون على أسلوب المعارضة، وليس لأنه لا توجد مشاكل في الكويت، والأستاذ جهاد معذور، لأنه يقول بأن معلوماته غير القابلة للدحض يستمدها من علاقته بسمو الأمير والشيخ ناصر المحمد والسيد جاسم الخرافي ووزير الإعلام والأستاذ أحمد الجارالله، ونأمل أن يراجع معلوماته مع أطراف لها اتصال أكثر بالناس.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *