الرئيسية » إقتصاد » لماذا تصرُّ الهيئة العامة للاستثمار على بيع شركات محلية رابحة؟!

لماذا تصرُّ الهيئة العامة للاستثمار على بيع شركات محلية رابحة؟!

قرارات هيئة الاستثمار ببيع الشركات المحلية يلفها الغموض
قرارات هيئة الاستثمار ببيع الشركات المحلية يلفها الغموض

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
منذ بضعة أشهر، حذرت «الطليعة» من النهج الذي تنتهجه الهيئة العامة للاستثمار، ببيع حصص الدولة في الشركات المحلية، وخصوصاً الرابحة منها، مشيرة إلى العواقب الوخيمة لهذا الأمر، سواء من الناحية الاقتصادية، أو من ناحية المداخيل التي تدرها هذه الشركات على الدولة، أو من ناحية تسريح عدد كبير من العمالة الوطنية العاملة في هذه الشركات، وخلق مشكلة مسرَّحين جديدة تُفاقم من مشكلة البطالة.

ولكن للأسف، لم تتحرَّك الجهات المعنية، لوقف هذا الأمر، وتركت الساحة للهيئة العامة للاستثمار تفعل ما تشاء في هذه الشركات، ولكن اليوم، وبعد استشعار خطورة الأمر الذي تقوم به هيئة الاستثمار، تحرك مجلس الأمة، ليحذرها من بيع هذه الشركات.

وقد وجهت لجنة حماية الأموال العامة الأسبوع الماضي رسائل تحذيرية للحكومة، بسبب مخالفة توصية المجلس، بشأن وقف إجراءات بيع الشركات الحكومية، لحين تقديم تقرير ديوان المحاسبة في هذا الخصوص.

وأكدت اللجنة استدعاءها عددا من القياديين، وعلى رأسهم وزير المالية أنس الصالح، لمناقشة وبحث قضية بيع الشركات الحكومية، والوقوف على أسباب عدم الالتزام بتوصية مجلس الأمة، بشأن وقف إجراءات بيع شركة المنتجات الزراعية وشركات أخرى، وخاصة أن لجنة حماية الأموال لم تقتنع بما طرحه رئيس الهيئة العامة للاستثمار، أسعد السعد، والأسباب التي ساقها لبيع هذه الشركات، خلال مناقشته في مجلس الأمة بهذا الخصوص، والكلام المغلوط الذي تحدَّث به رئيس الهيئة حول بيع هذه الشركات.

أسباب مجهولة

لا يعلم أحد، لماذا هذا الإصرار الكبير من الهيئة العامة للاستثمار على بيع حصص الحكومة في الشركات المحلية، فبعض هذه الشركات مهم ويحقق أرباحاً جيدة، فضلاً عن أن بها عددا كبيرا من العمالة الوطنية، وما ساقته وتسوقه الهيئة ورئيسها من مبررات، وأن هناك دراسات وضوابط لبيع هذه الشركات، غير مقنع، وخيراً فعلت لجنة حماية الأموال العامة بمجلس الأمة، بإعلانها رفض هذا البيع، نظراً لأهمية هذه الشركات، وفي الوقت ذاته عدم تقدير هذه الشركات بالقيمة الحقيقية لها، وخير مثال على ذلك، بيع شركة المنتجات الزراعية بمبلغ 8.5 ملايين دينار، وهو مبلغ غير مقبول إطلاقا، إذ إن الشركة لديها من الموجودات والأراضي الزراعية ما يفوق هذا المبلغ بكثير، وهذا الأمر يدل على خطأ سياسة الهيئة العامة للاستثمار، لذلك، لابد من اتخاذ خطوات فعلية وموقف حازم مع هيئة الاستثمار، وقطع الطريق أمامها، لعدم بيع هذه الشركات مستقبلاً.

تقارير مؤكدة

وما يؤكد خطأ سياسات هيئة الاستثمار في إدارة أملاك الدولة، الخسائر المالية الكبيرة التي كبَّدتها للمال العام خلال الأعوام الماضية، داخلياً وخارجياً، ما أشارت إليه تقارير ديوان عام المحاسبة، وأكثر من تقرير اقتصادي متخصص، وآخرها تقرير «سان مارتن»، الذي أكد أن «الهيئة» تكبَّدت خسائر مالية فادحة تقدر بـ 108 ملايين جنيه استرليني، نتيجة بيعها سلسلة من العقارات في عدد من الدول الأوروبية.

وكشف التقرير، الذي ناقشته لجنة حماية الأموال العامة بمجلس الأمة الأسبوع الماضي، أن «الهيئة» خسرت 43 مليون جنية استرليني، نتيجة بيعها عقارات في لندن، في حين خسرت 27 مليون من وراء بيع عقاراتها في هولندا، و35 مليونا في ألمانيا، و3 ملايين في بلجيكا، ليكون الإجمالي 108 ملايين جنيه استرليني.
ومن هذه الخسائر الكبيرة، وإذا كانت الحكومة فعلاً جادة في ما تدعيه من الحفاظ على المال العام، وكذلك مجلس الأمة، فعليهما اتخاذ موقف حاسم تجاه سياسات هيئة الاستثمار الخاطئة والخسائر المتتالية في المال العام.

سيناريو متكرر

وللعلم، هذه ليست أول خسائر لهيئة الاستثمار، فكثير من استثماراتها الخارجية شابها الغموض خلال السنوات الماضية، ومُنيت بخسائر كبيرة، بسبب الأزمات الاقتصادية المتتالية، بداية من الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي تكبَّدت خلالها خسائر فادحة، مروراً بأزمة الديون السيادية الأميركية، التي تكبَّدت خلالها خسائر كبيرة، أيضاً، ثم الأزمة المالية بمنطقة اليورو، التي ما زالت مستمرة حتى الآن، وخسائر «الهيئة» فيها ما زالت تتوالى، وهذه الأمور كلها ذكرها ديوان عام المحاسبة في تقاريره المختلفة، وتطرَّقنا إليها سابقاً.

ورغم ذلك كله، تصرُّ «الهيئة» على بيع استثماراتها المحلية الرابحة، والإبقاء على الاستثمارات الخارجية الخاسرة، وكأنها تصرُّ على أمرين؛ الأول بيع استثمارات رابحة ومضمونة تحقق أرباحاً بملايين الدنانير سنوياً، والإبقاء على استثمارات خاسرة، والأمر الآخر، التخلي عن دعم الاقتصاد الكويتي، ببيع حصصها في هذه الشركات، ودعم الاقتصادات الخارجية، خصوصاً الأوروبية منها، التي تعاني مشكلات اقتصادية، فمنذ أشهر قليلة أعلنت أنها ستستثمر مبالغ كبيرة في الاقتصاد الألماني، وكأن «الهيئة» تم تأسيسها لدعم الاقتصادات الخارجية، وليس لدعم الاقتصاد الكويتي.

البداية

وتعود بداية تفكير الهيئة العامة للاستثمار ببيع مساهماتها في الشركات المحلية إلى مايو من العام الماضي، حيث أعلنت استئناف برنامج تحويل مساهماتها في الشركات المحلية إلى القطاع الخاص، مؤكدة أنها حصلت على موافقة هيئة أسواق المال لبيع مساهماتها في كل من الشركة الكويتية للاستثمار، وبيت التمويل الكويتي، وكذلك شركة الاتصالات المتنقلة (زين)، وسوف تبدأ بطرح ملكياتها في الشركة الكويتية للاستثمار للاكتتاب العام، على أن يتم الانتهاء من الاكتتاب في موعد لا يتجاوز النصف الأول من 2015، أما بيع مساهماتها في بيت التمويل الكويتي، وشركة زين، فقد تأجل إلى وقت لاحق.

والمؤكد أن تفكير هيئة الاستثمار بهذا الشكل أمر غير منطقي تماماً، وهو هدم للاقتصاد الكويتي، وإرباك لعدد من أهم شركات القطاع الخاص في الكويت، حيث إن إدخال ملاّك جدد على هذه الشركات من شأنه عرقلة خطط هذه الشركات، ويوقف تقدُّمها ونموها، وقد تحتاج هذه الشركات إلى سنوات لتنظيم أوضاعها من جديد، وسيؤثر هذا فيها وفي العمالة الوطنية بها، ما سينعكس عليها، كما أن هذه الشركات تدخل إلى خزينة الدولة ملايين الدنانير سنوياً من الأرباح التي تحققها.

غموض

إن توجُّه الهيئة لبيع مساهماتها المحلية في الشركات به غموض وعدم شفافية، وما يؤكد أن الأمر كذلك، الأسباب والعلل التي تسوقها «الهيئة»، تبريراً لبيع هذه المساهمات.. فعندما أعلنت في مايو من العام الماضي، أن كل الشركات التي تساهم بها داخل الكويت قابلة للبيع، كانت الأسباب التي ساقتها في ذلك الوقت، أن هذا الأمر جاء مرتكزاً على برنامج متكامل، بدأت في تنفيذه في بداية التسعينات، وأنه متوافق مع التوصيات التي خلصت إليها دراسة قام بها البنك الدولي، واليوم تعلن أن السبب وراء بيع هذه المساهمات، هو دعم للقطاع الخاص، وتشجيع المواطنين على الانخراط في الاستثمار في الأسهم القيادية، فـ «الهيئة» أصبحت «كل يوم بكلام»، وهذا الأمر يدل على عدم الشفافية.

وبما أنها أعلنت أنها ستبيع كل مساهماتها المحلية، فإن القادم سيكون بيع باقي مساهماتها في البنوك المحلية، والعديد من الاستثمارات المربحة، وكذلك يشمل البيع الشركات التي بدأت تحقق أرباحاً جيدة بعد سنوات من الخسائر، وكأن «الهيئة» ساهمت في هذه الشركات، لتتحمَّل خسائرها، وعندما بدأت تحقق الأرباح، وأصبح في الإمكان تعويض ما خسرته من أموال، قررت أن تبيعها وتحرم المال العام من تعويض ما فقده خلال السنوات الماضية.

ومن المؤكد أن بيع كل حصص هيئة الاستثمار في الشركات للقطاع الخاص مرة أخرى، سيكون مجالاً خصباً للتلاعب في الأسعار، وفرصة مناسبة للباحثين عن التنفيع، فالهيئة تساهم في نحو 102 شركة، وبالتأكيد بيع كل هذه المساهمات سيكون كارثة على الاقتصاد، وقد يهبط بأسعار أسهم كثير من الشركات، ما يضر بالمساهمين أيضاً.

قرارات تفتقد الشفافية

ما زال الغموض يسيطر على غالبية الخطوات والقرارات التي تتخذها الهيئة العامة للاستثمار، فقراراتها، كما وصفها ديوان عام المحاسبة، تفتقد الشفافية، وهذا الأمر تجلَّى بوضوح في تأكيدها الأخير، المضي قدماً في بيع مساهماتها في أكثر من شركة محلية إلى القطاع الخاص.

وإذا كانت هيئة الاستثمار تفكر في بيع مساهماتها في الشركات الخاسرة، فإن الأمر لن يكون مستغرباً، ففي هذه الحالة يمكن تعليل ذلك، بأنها تفكر تفكيراً اقتصادياً بحتاً، قائماً على مبدأ الربح والخسارة، وفي هذه الحالة لن يكون اللوم كبيراً عليها، ولكن الغريب في الأمر، أنها تعتزم بيع مساهماتها في شركات تحقق مكاسب سنوياً بمئات الملايين من الدنانير، في حين أنها تصرُّ على الإبقاء على استثمارات خارجية تكبدها خسائر بمئات ملايين الدولارات سنوياً.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. أيممدير الهيئة هو بدر السعد وليس أسعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *