الرئيسية » ثقافة » الرقابة على الكتب.. حلقة جديدة من مصادرة الحريات

الرقابة على الكتب.. حلقة جديدة من مصادرة الحريات

الكتب تتعرض للخطر دون مسوغات مقنعة
الكتب تتعرض للخطر دون مسوغات مقنعة

كتب المحرر الثقافي:
عقولكم قاصرة تحتاج إلى وصاية، ومقص الرقيب حارس على الأخلاق والقيم، والفكر الحُر أكبر خطر على المجتمع.
هل هذه هي الرسائل المغلوطة التي تود الرقابة توصيلها إلى الناس، بقراراتها التعسفية، التي تعادي الحريات، ومصادرتها للكتب، ومنعها لنتاج العقول؟
هل الثقافة والإبداع يخيفان الحكومة إلى حد يجعلها تسابق الزمن، لمنع وصول الكتب والمؤلفات الإبداعية والفكرية والثقافية والاجتماعية إلى أيدي القراء؟
أسئلة كثيرة موجعة تطرح نفسها وتفرضها الوصاية المتكررة من الرقابة التابعة لوزارة الإعلام على نتاج الأقلام، وإقدامها على مصادرة الفكر ورحيق الأقلام في عصر السماوات المفتوحة.

وفي الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية كونية صغيرة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا المجازي، وبات من السهل جداً الحصول على أي معلومة أو فكرة وتحميل أي كتاب بـ «كبسة زر» وعمل «داون لود»، يصبح من العبث الإقدام على منع الكتب وإعمال مقص الرقيب عليها، وتضحي مصادرة الأفكار مجرد حرث في البحر، ولا يعود سوى بتشويه وجه الكويت التي كانت في ما مضى من الزمان منارة للحريات، وحاضنة للرؤى والثقافات، وموطناً لأرباب الفكر والإبداع، لكنها تحوَّلت بفعل أعداء الثقافة والفكر والإبداع إلى «مقص رقيب هائل ومفزع».

ورغم تكرار قمع «الإعلام»، ممثلة في إدارة الرقابة، لكثير من الكتب ومنع طبعها في البلاد أو رفض دخولها عقب طبعها في الخارج، فإن اعتراف الوزارة أخيرا، بمنع العديد من الكتب والمؤلفات، جاء بمنزلة الظلام المطبق والليل الذي ازداد حلكة، لما سببه هذا الاعتراف من صدمة في أوساط الثقافة والفكر والصحافة والإعلام، فضلاً عن الإحباط الذي يُضاف إلى الانتكاسات المستمرة في الواقع السياسي.

اعتراف

جاء اعتراف «الإعلام»، بمنع الكثير من الكتب حاسماً للجدل حول مقص الرقابة، فالوزارة نفت أكثر من مرة، على لسان قيادييها، وجود سياسة ممنهجة لقمع الحريات ومصادرة الكتب والمؤلفات، لكنها اضطرت الآن للاعتراف، بعدما تكشَّف ما كانت تنكره، وظهرت الوثائق الدالة على القمع والمصادرة.

فقد أرسل وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب، الشيخ سلمان الحمود، ردا على سؤال برلماني طرحه النائب راكان النصف حول منع رواية «فئران أمي حصة» للروائي سعود السنعوسي، وسؤاله عن أسماء الروايات والكتب التي تقدم لترخيصها الأدباء والكتاب الكويتيون خلال السنوات الثلاث الماضية.

وفيما نفت الوزارة منع هذه الرواية، أكدت أن الكاتب السنعوسي تقدم بروايته إليها، ولم تعرض على لجنة الرقابة، حتى تاريخه، ومن ثم، فإنه لم يصدر قرار من لجنة رقابة الكتب، سواء بالمنع أو الإجازة.

وشددت على أن اللجنة ملتزمة في أدائها لعملها بتطبيق القانون في ما يتعلق بالمحاذير والضوابط والمعايير الرقابية.

الكتب الممنوعة

وقد أرفق بالرد على سؤال النائب راكان النصف حول الروايات والكتب التي تم منعها من التداول والبيع داخل الكويت من قِبل اللجنة المختصة بالرقابة في الوزارة، قائمة تضم 33 كتابا مع تبيان أسباب المنع.

وتذكيراً للمؤلفين والمبدعين والمفكرين بمقص الرقيب والوصاية على الأخلاق والقيم والضوابط، قالت وزارة الإعلام ما نصه، وفق ردها أمام قبة البرلمان،: «يستطيع المؤلف طلب عرض الكتاب من جديد على لجنة الرقابة، بعد أن يقوم بحذف ما سبق، وان قررت اللجنة حذفه، وعمل طبعة جديدة تعرض على اللجنة، تمهيدا لإجازتها للتداول والنشر، بعد التأكد من خلوها من الملاحظات والمحاذير».

المثقفون يعترضون

وتساءل أدباء ومثقفون عن الآلية التي تتبعها لجنة الرقابة في القراءة، وما الضوابط التي تعطي على أساسها صك الموافقة على الكتب أو منعها؟
ويضيف الأدباء والمثقفون: مع احترامنا لأعضاء اللجنة، لكن هل جميعهم قادرون على تقييم المنتج الأدبي والفكري والغوص في عمق مضامين الكتب الفكرية والإبداعية والسياسية والاجتماعية وغيرها؟

وأجمعوا على رفضهم لمنع الكتب ومصادرة الحريات، واصفين ما يحدث من قمع فكري، بأنه عودة إلى محاكم التفتيش في زمن العولمة، وإساءة للكويت، في الوقت الذي يفترض فيه أن تتضافر الجهود لاتخاذ إجراءات من شأنها تحسين صورتها في المحافل الدولية، في ما يخص تعزيز الحريات والديمقراطية.
وقال الشاعر علي العبدالله: إن منع الكتب محاولة فاشلة لفرض الوصاية على العقول، وانتكاسة للحريات، التي يفترض أنها مصانة وفق القانون.
وأضاف: من الخطأ أن تتعامل وزارة الإعلام مع المتلقين، كأنهم لم يبلغوا سن الرشد بعد، وهل تتصور بمصادرة الكتب أنها ستحمي المجتمع من الانحراف مثلا؟!

لا للرقابة

من جانبها، عبَّرت الإعلامية أميرة بن طرف عن رفضها لفكرة الرقابة بالأساس، مشيرة إلى أن مصادرة الكتب نوع من العبث وتضييع الوقت والجهد، في زمن أصبح فيه الكتاب، أياً ما كان مضمونه، وسواء صدر هنا أو هناك، في أي بقعة بالعالم، يمكن تحميله عبر الإنترنت بسهولة خلال دقائق.
وأضافت: إن مصادرة الكتب تقييد لحرية الفرد، بتحديد ما يجوز له قراءته، أو ما لا يجوز، لافتة إلى أن ازدهار الثقافة والفكر من أبرز مقاييس تقدُّم الأمم.
أما الأديب طارق الشمري، فشكك في لجنة الرقابة، قائلاً: أكاد أجزم أن أعضاء اللجنة التابعة لوزارة الإعلام لم يقرأوا الكتب التي قرروا منعها، ومن الواضح أنهم قرأوا مقتطفات من كل كتاب.

«أحمد الخطيب.. وطن ودستور»

ودلل على ذلك، بالقول: لقد قرأت الكثير من الكتب التي منعتها الوزارة، وفق إعلانها أمام مجلس الأمة، ومنها كتاب «أحمد الخطيب وطن ودستور» لمؤلفه علي حسين العوضي، والكتاب كله يسرد سيرة نضالية، من أجل مصلحة الكويت وتسليط الضور على جانب تاريخي مضيء لأحداث سياسية معلومة للجميع بالضرورة، بسرد شيق، والغريب أن لجنة الرقابة وصفت الكتاب بأنه «ينطوي على إساءة للكويت»! ولا ندري أي إساءة يقصدها الرقباء؟ إلا إذا اعتبرنا سرد الأحداث ومسيرة الرموز الوطنية إساءة.

مزاجية الرقيب

والتقطت أطراف الحديث القاصة مريم فضل الله، مشيرة إلى أن منع الكتب يخضع لمزاجية الرقيب، فلا أسباب منطقية، ولا ضوابط تجدي مع المنتج الفكري والإبداعي.
وطالبت بتحرك من المثقفين والمبدعين والمدافعين عن الحريات، لوقف هذه المهزلة المسماة بالرقابة على الكتب وفق قولها.

من جانبه، تحدَّث المخرج خالد الدوسري عن إشكالية أزلية، تتمثل في وجود مَن يظن في نفسه أنه حارس لقيم المجتمع والوصي على العادات والتقاليد، لكن المجتمع الكويتي محافظ بطبيعته، وحريص على الفضيلة الحقيقية، لا المزيفة، ولا يمكن أن يكون الكتاب خطراً على الأخلاق.

ووفق أنوار العلي، فإن وزارة الإعلام تضيع وقتها في منع الكتب، فكل فروع الثقافة متاحة عبر الشبكة العنكبوتية، وإذا صُودرت الكتب، فهل تستطيع الحكومة مصادرة القنوات الفضائية، على سبيل المثال؟ وهل تمنعنا من شراء كتب أجنبية عند سفرنا للخارج؟
ووصفت العلي المنع والمصادرة بالعودة إلى القرون الوسطى.

محمد خريبط
محمد خريبط

المحامي محمد خريبط:حرية البحث والتأليف حق دستوري وقانوني

قال المحامي محمد خريبط إن حرية البحث العلمي والتأليف والإبداع مكفولة، دستورياً وقانونياً، وإذا تعمَّدت الجهة المختصة منع هذا الحق، فإنها تحاسب عليه، ويصبح قرارها غير دستوري.
وأضاف: أي قرار يصدر من وزارة الإعلام، بمنع طباعة الكتب أو مصادرتها بعد طباعتها، فإنه يحق للمؤلف أن يطعن ضد القرار الإداري أمام القضاء، مشيرا إلى وجود قضايا مماثلة، وقد أنصف القضاء الكويتي أصحاب كتب مُنعت، وألغى قرار «الإعلام» الجائر. وأشار خريبط إلى أن منع الكتب مزايدة سياسية ووصاية مرفوضة، فالفكر لا يقابل إلا بالفكر، والإبداع لا رقيب عليه، إلا ضمير المؤلف والمبدع، ولا توجد مثل هذه الرقابة المقيتة، إلا في الدول القمعية، التي تخشى من الحريات الفكرية، وتنصب من أجهزتها حارساً على ثمرة الإبداع والبحث العلمي. وجدد التأكيد على أن مصادرة الكتب فعل سياسي، وليس قانونياً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *