الرئيسية » قضايا وآراء » عبد العزيز الجناحي : بوصلة «القدس».. ومقصلة «الفرس»!

عبد العزيز الجناحي : بوصلة «القدس».. ومقصلة «الفرس»!

عبدالعزيز الجناحي
عبدالعزيز الجناحي

في مقدمة كتابه (الكامل في التاريخ)، يقول ابن الأثير: «لقد رأيت جماعة ممن يدّعي المعرفة والدراية، ويظّن بنفسه التبحر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ويزدريها، ويُعرضُ عنها ويلغيها، ظناً منه أن غاية فائدتها، إنما هو القصَصُ والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظرُه».

مصيبة عششت في عقول وأبصار بعض الشباب اليوم، عاشها وذكر مثالاً لها ابن الأثير قبل 800 عام هجرية، ودعوني اسمّي هذه المصيبة بـ «الفكر القشري»، ومثال على هذه القشرية الفكرية، أن يخرج عدد من الشباب من الذين يخفون مشاعر جياشة للنظام الإيراني – بمذاهبهم المختلفة- وينعتون كل مَن يشيد بعاصفة الحزم بـ «الطائفي»، ثم يلوحون لنا بصفحة واحدة من التاريخ، يرغموننا على قراءتها وتذكيرنا بها، ويحرصون ألا يعودوا إلا إليها، هي وحدها لا سواها، صفحة الغزو العراقي الغاشم.

«قشريات» المجتمع هؤلاء لا يقرأون التاريخ لسببين؛ إما جهلاً، فتركوا اللب واكتفوا بالقشر، أو احتقاراً ورفضاً، فتجاهلوا «ما يريدون» من صفحات التاريخ.

جميل أن نعتبر من الغزو العراقي، جميل أن نضع بين أيدي الأجيال القادمة ورقة (تاريخية) تحذرهم من جار قد غدر بهم، لكن الأجمل، والأشمل، والأسلم، أن نقرأ التاريخ كله، ولا نكتفي ببعضه، وأن نقرأ ذلك الجزء من التاريخ، الذي يشرح لنا (باختلاف مصادره) إجابة هذا السؤال: من الذي غدر بالأمة الإسلامية؟

بكل بساطة، ابحث عن الإجابة في مصادر التاريخ المختلفة، ستجد هذه الأسماء تحت عنوان الغدر والخيانة: الفاطميون والقرامطة والبويهيون وغيرهم، كالذين تعاونوا مع هولاكو التتار، أو الذين حاولوا مراراً أن يمنعوا صلاح الدين من فتح القدس!

هذه «العناوين» التاريخية يجب أن يقرأ ويبحث فيها الذي يعجز عن التفريق بين «الطائفية» والحذر من التاريخ، وبعد أن يقرأها، عليه أن يستحضرها إلى المشهد الذي نعيشه اليوم، ويقارن ويفكر ويحلل ويقتنع و«يهتدي»، فالكويتي الذي كان يؤمن بصدام سيفاً للعرب، كفر به واهتدى، بعد أن رأى أن حامي البوابة الشرقية «ضيّع دربه» إلى القدس، واتجه جنوباً إلى الكويت!

صدام لم تنفعه البوصلة، بل جرَّته إلى المشنقة، ثم عادت لتظل في أدراج قصره الذهبية ببغداد، إلى أن دارت الأيام، وجاء مستشار المرشد الأعلى الإيراني أكبر ولايتي، ليقول فخوراً بالحوثيين: «طريق تحرير فلسطين يمر عبر اليمن»!

ليؤكد لنا هذا التصريح أنه عندما سرقت قصور صدام ونهب ما فيها، فكانت «بوصلة صدام» اكبر الغنائم، ما إن نقلوها من بغداد إلى طهران، حتى اصابتهم لعنة كتلك التي تصيب سراق الكنوز في قصص الخيال.. فبدلاً من أن يتجهوا غرباً إلى فلسطين، اتجهوا جنوباً إلى اليمن.

تاريخ البوصلة لا يرحم، تجر مَن يسرقها إلى المشنقة، فهل تُجر أحلام فارس إلى المقصلة؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *