الرئيسية » آخر الأخبار » عبد الله النيباري : ماذا بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني؟

عبد الله النيباري : ماذا بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني؟

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه الأسبوع الماضي، بين إيران ودول «5 +1» (أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، أعضاء مجلس الأمن الدائمون، زائد ألمانيا)، وحضور مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هو من حيث الجوهر والحقيقة اتفاق بين أميركا وإيران.

الاتفاق فسَّره المراقبون والمحللون، بأنه انتصار للطرفين، فأميركا وحلفاؤها حصلوا على تقييد لقدرة إيران على تطوير نشاطها في مجال استخدام الذرة، كي لا تصل إلى إنتاج أسلحة نووية، وإيران حصلت على اتفاق يسمح لها بالاستمرار في تطوير واستخدام الذرة، للأغراض السلمية، من دون إنتاج قنبلة نووية، مقابل رفع تدريجي للقيود المفروضة عليها، التي طالت معاملاتها الاقتصادية، من استيراد وتصدير، والمعاملات المالية والمصرفية، وهي القيود التي كبَّلت الاقتصاد الإيراني، وكانت عقبة في طريق تطوير البنية الاقتصادية، وفي إحداث معاناة نقص المواد التي تحتاجها من الخارج، والتضخم الكبير في الأسعار، وارتفاع نسبة البطالة.

الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه، هو إطار للتفاهم، يضع أسساً للاتفاق النهائي، الذي يُنتظر التوصل إليه في يونيو المقبل، وما زالت تفاصيل كثيرة تتطلب مفاوضات مكثفة.

الخاسر الأكبر من هذا الاتفاق، هو إسرائيل، خصوصا رئيس وزرائها، الأشد عنصرية من هتلر، الذي حاول استثمار الموضوع، لتعزيز موقف إسرائيل لدى الكونغرس الأميركي، تحت ذريعة تهديد أمن ووجود إسرائيل، ويستخدم ذلك كغطاء لسياسة اليمين الإسرائيلي، الأشد تطرفاً وعنصرية، بزعامته، للاستمرار في ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، بالتوسع في بناء المستوطنات، في ما تبقى من أراضي الضفة الغربية، واتخاذ كل الإجراءات للتضييق على حياة الفلسطينيين، ودفعهم للهجرة.
طبعاً، هو يعلم أنه حتى لو توصَّلت إيران لامتلاك سلاح نووي، فهي لن تستخدمه، لأن ذلك محرَّم دولياً، في ظل ظروف توازن الرعب النووي، بين الغرب والشرق، فمن يستخدمه يعرّض نفسه لردود ساحقة ماحقة.

ماذا بعد؟

إذن، ماذا سيجري بعد هذا الاتفاق؟ وما تداعياته؟ وما أثر ذلك على علاقات إيران بالعالم والإقليم العربي والشرق الأوسط، وخاصة على منطقة الجزيرة والخليج العربيين؟

هل تجنح إيران إلى تغيير سياستها تجاه العالم وتجاه الجوار، المسببة للقلق والمثيرة للمخاوف؟

من جهة الولايات المتحدة، فإن فلسفتها التي بنت عليها الاتفاق، هي كما شرحها الرئيس أوباما في حديثه المهم للصحافي توماس فريدمان، «أولاً: أنه خيار بين الحرب، أو الاتفاق، حتى لو كان ناقصاً علينا أن ندخل التجربة.
ثانياً: نحن – أميركا وحلفاؤها – ما زالت محتفظة بقدراتها العسكرية الرادعة، والتي لا تُقارن بقدرات إيران، فمميزاتها للدفاع 30 مليارا، فيما ميزانية أميركا 600 مليار.

ثالثاً: لا صحة للقول إن إيران غير قابلة للتغيير، ويقصد سياستها، وعلينا أن نجرّب الحلول، مع احتفاظنا بخياراتنا، ومَن يعلم؟ فقد تتغيَّر إيران».

وأضاف «علينا أن نقر بأن إيران، كما نحن، بلد معقد.. صحيح أن لديهم شكوكا وعدم ثقة تجاه القوى العالمية، نظراً لمعاناتهم التاريخية، من احتلال وتدخل القوى الخارجية وهيمنتها على شؤونهم، كما كان في عهد الشاه، وهو ما ينعكس على سياستهم المتشددة، بملامح عدائية تجاه العالم، ولكن هناك توجهات داخل المجتمع الإيراني، وانتخاب الرئيس روحاني أظهر أن هناك تعطشاً لدى الشعب، للالتحاق بالمجتمع الدولي والاهتمام بالشأن الاقتصادي، وما شاهدناه في السنوات الأخيرة يشير إلى أن هناك فرصا لهذه القوى لاختراق الإطار الجامد الذي هم فيه، والسير في اتجاه مختلف».

وفي ما يتعلق بالقيود المفروضة على إيران، وهي صلب المفاوضات، قال أوباما إن المرشد الأعلى، خامئني، رغم شكوكه في مواقف الدول الكبرى، فإنه سمح للوفد المفاوض بفرصة للنقاش وتقديم تنازلات، وهو يقدر بأن استمرار العقوبات والقيود المفروضة تُضعف إيران على المدى الطويل، وربما يريد أن تعود إيران إلى مجتمع الأمم الدولي».

إذن، أوباما الذي طرح في تلك المقابلة ما أصبح يُسمى مبدأ أوباما في العلاقات مع الدول، الذي يقوم على دبلوماسية الإشراك، بدلاً من العزل والتفاوض، وبدلاً من استخدام القوة والغزو، ويؤكد أن علينا خوض التجربة، مع احتفاظنا بخياراتنا وقدراتنا العسكرية والاقتصادية.

ماذا تريد إيران؟

من جهة إيران، هناك فلسفة جديدة لتعديل علاقاتها الدولية، وهذه الفلسفة شرحها وزير الخارجية في مقال ذي أهمية كبيرة، نُشر في مجلة الشؤون الدولية الفصلية الأميركية.

يقول ظريف «منذ قيام ثورة 1979، وإنشاء الجمهورية الإسلامية، فإن سياستها الخارجية بنت أسساً ثابتة في الدستور، وهي حماية استقلال إيران، وحماية أراضيها وأمنها، وتحقيق تنمية وطنية طويلة الأمد ومستدامة، وفي علاقاتها الخارجية تسعى إيران إلى تعزيز موقعها الإقليمي والدولي، وتوسيع علاقاتها الثنائية والمتعددة، وخاصة مع دول الجوار الإسلامي، وتخفيض حدة التوترات، وتحسين إدارة العلاقات والاختلافات مع الدول الأخرى، لترسيخ الأمن والسلام على مستوى الإقليم والعالم.
ويمضي ظريف في شرح سياسة إيران الخارجية، بعد نجاح الرئيس روحاني، بأن نجاحه الفائق وتأييد الشعب له، يعود إلى شرح سياسته للشعب بأسلوب موضوعي رصين، لإيضاح موقع إيران المهم، عالمياً وإقليمياً، وأن الجمهورية الإسلامية يجب أن تسعى لتأكيد استقرار السلام والأمن، وأن الأسس التي يبني عليها روحاني سياسته الخارجية اعتمدت على انتقاد عقلاني وموضوعي للسياسة الخارجية، عما كان متبعاً في السنوات الثماني الماضية (والمقصود سياسة أحمدي نجاد)، وأنها تهدف إلى إعادة رسم علاقة إيران مع العالم إلى حالتها الطبيعية، وأن روحاني دعا إلى مباحثات عاقلة ومعتدلة، وتحويل إيران إلى الحوار، بدلاً من المواجهة، فإذا كانت دول الجوار لإيران قد انتابها القلق والمخاوف، بسبب تمدد إيران خارج حدودها إلى الدول العربية المجاورة (لبنان وسوريا والعراق واليمن)، وهو ما ساهم بالمزيد من تمزيق المجتمعات العربية، لذلك، فإذا كان الاتفاق بين إيران وأميركا وحلفائها، والذي عبَّر عنه الشعب الإيراني بترحيب وحماس منقطعيّ النظير، باستقبال وزير الخارجية ظريف استقبال الأبطال، وعن مشاعر الشعب الإيراني وقياداته المعتدلة، فبالتأكيد يجب أن يحظى بترحيب من الدول العربية، وخاصة دول الجوار.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *