الرئيسية » آخر الأخبار » «اليهود في الخليج».. أنموذج لدراسة الأقليات بالمنطقة

«اليهود في الخليج».. أنموذج لدراسة الأقليات بالمنطقة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كتب عبد الله التميمي:
لم يطرق موضوع اليهود في الخليج بشكل كافٍ في البحوث المختصة بدراسة اليهود، واليهودية والصهيونية، بل إن الموضوعات الخاصة بدراسة الأقليات في الخليج قليلة، لذلك ركزنا على هذه الدراسة القيّمة، بموضوعها، كأنموذج لدراسة الأقليات في المنطقة، وتسليط الضوء على علاقاتهم مع أغلبية المجتمع، والجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والديموغرافية الخاصة بأوضاع الأقلية في الخليج.

والدراسة التي بين أيدينا «اليهود في الخليج» للباحث الكويتي يوسف علي المطيري، هي رسالة ماجستير لقسم التاريخ بجامعة الكويت، وتحت إشراف أ.د.عبدالمالك خلف التميمي، وقد برر الباحث المطيري اختياره لهذا الموضوع، بأنه يتناسب مع تزايد الاهتمام العالمي بدراسة أوضاع الأقليات، خصوصاً مع ما ذكره الباحث، من كون الأقليات لا تزال «سلاحاً تستخدمه الدول في زعزعة الأوضاع الداخلية لدول أخرى عن طريق زرع الولاءات وإعلان حماية الأقليات وإثارتها، وهو ما لجأت إليه الدول الاستعمارية في فترات تاريخية مختلفة».

ولأن الموضوع يمسُّ إلى جانب كبير، أيضاً، قضية العرب والمسلمين الشاغلة (الصراع العربي – الإسرائيلي)، فقد مسَّ موضوع الأقلية اليهودية في الخليج هذا الجانب بشكل كبير، كما سيبين الباحث، وأثر في نشأة الدولة الصهيونية في بداياتها، وأيضاً على سير علاقة الأقلية اليهودية مع السكان المحليين والسلطات المحلية في الخليج، وأيضاً السلطة الأجنبية الاستعمارية.

قال الباحث إن «جميع المصادر والمدونات التاريخية أكدت وجود الديانة اليهودية في الجزيرة العربية وانتشارها بين بعض القبائل العربية بوجه عام»، ثم ذكر خلاف الباحثين حول أصول الوجود اليهودي في الجزيرة العربية، هل هو من هجرات اليهود، أم هي قبائل عربية تهودت، بسبب حملات التبشير اليهودي، وعن طريق التجارة، وهناك مَن جمع بين الرأيين، وقال بوجود يهود هاجروا إلى الجزيرة العربية، مع وجود قبائل عربية تهودت.

واستقر اليهود في مناطق عدة من الجزيرة العربية كيثرب وفدك وخيبر ووادي القرى وتيماء، بالإضافة إلى اليمن وعمان وساحل الخليج العربي الذي كان يُطلق عليه «البحرين» قديماً، واشتهر منهم بعض الشخصيات في الجاهلية، كابن يامن، التاجر اليهودي الثري الذي سكن البحرين، وابن السموءل بن عاديا الأزدي، الشاعر الجاهلي، الذي جاء فيه المثل «أوفى من السموءل»، لما عرف عنه من حفظ الأمانة، حتى خُيّر بين قتل ابنه أو ترك الأمانة، فاختار أن يحافظ على الأمانة، وقُتل ابنه بسبب أمانته.

وقد ركزت أغلب المصادر التاريخية على حوادث إجلاء اليهود من الجزيرة العربية، بسبب حروبهم مع المسلمين، لكن المصادر أكدت، أيضاً، استمرار وجود اليهود في الجزيرة العربية، حتى بعد طرد بعضهم، وقد استمر يهود البحرين، مثلاً، في العيش في الجزيرة العربية ودفع الجزية، وغيرهم أيضاً من اليهود في بقية مناطق الجزيرة.
ويظهر من استقراء ما ورد في الكتاب، أن اليهود كانت أعمالهم شبيهة بأعمال بقية أهل الجزيرة منذ القدم، حيث عملوا قديماً في زراعة النخيل في المناطق التي اشتهرت بذلك كيثرب والقطيف، وعملوا في التجارة في مناطق الساحل، كعمان والبحرين، وكانت لهم مهنة أخرى، هم أكثر اختصاصاً بها، وهي صناعة الخمور والمتاجرة بها، حيث عملوا بها منذ القدم، وحتى قُبيل هجرتهم من الخليج العربي في القرن العشرين.

هجرة اليهود إلى الخليج

اختلفت الأسباب، التي أدَّت إلى هجرة اليهود من مناطقهم في بلاد فارس والعراق ومناطق أخرى إلى الخليج العربي، فبين اضطهاد ديني تعرَّض له اليهود، وتضييق اقتصادي، وكوارث طبيعية، كفيضان بغداد، والطاعون الذي أصابها عام 1831، إلى جانب هجرة بعض اليهود، بحثاً عن الثراء والفرص الاقتصادية الجيدة والمتاحة في الخليج العربي في ذاك الوقت، لازدهار موانئها وتجارتها، وطرق المواصلات بها، إلى جانب عمل بعض اليهود، كوكلاء ماليين وإداريين للعثمانيين في الأحساء، بعد إعادة ضمها عام 1871.

ومن خلال استعراض تاريخ هجرات اليهود إلى الخليج، نجد أن «غالبية اليهود الذين جاءوا إلى منطقة الخليج العربي كانوا من العراق».. وفي ما يخص الكويت، فقد رجَّح الباحث أن يكون عام 1860 هو بداية هجرة اليهود إلى الكويت، وهو في أوائل حكم الشيخ عبدالله الصباح، و«بلغ أوج ازدهار الأقلية اليهودية في الكويت أثناء الحرب العالمية الأولى»، وحتى بداية العقد الثالث من القرن العشرين، حيث بلغ عدد أفرادها 200 عائلة، أي تقريباً 800 فرد تقريباً.

وقد سكنت الأقلية اليهودية في الكويت بمنطقة شرق، وكان هناك حي باسمهم، هو «فريج اليهود»، و«يقع بالقرب من سوق البوالطو والصفافير»، ومن الأسر اليهودية المشهورة، التي سكنت الكويت أسرة صالح ساسون محلب، ويوسف الكويتي، وهو تاجر معروف في وقته، وأسرة يعقوب بن عزرا، وهو والد كل من صالح وداود الكويتي، اللذين عملا في الفن، وهاجرا إلى إسرائيل في أواخر حياتهما، وهناك شارع في إسرائيل سُمي باسميهما، وفي البحرين اشتهرت عائلات يهودية، كعائلتي خضوري وروبين، إلى جانب عائلة النونو، ذات الأصول العراقية، وكان منهم إبراهيم النونو عضو مجلس الشورى البحريني، وهدى النونو سفيرة البحرين في الولايات المتحدة الأميركية في الفترة من 2008 إلى 2013، وهي كذلك أول امرأة يهودية تدخل مجلس الشورى البحريني.

أوضاعهم الاقتصادية

ويشير الباحث من خلال رصده التاريخي إلى أن الأقلية اليهودية في الكويت والبحرين ذات أوضاع متشابهة بشكل أكبر من منطقتي عمان والأحساء، وأن معظم اليهود، الذين عاشوا في الخليج كانوا من الطبقة الوسطى ممن امتهنوا بيع الأقمشة والملابس وصياغة الذهب، والقليل منهم فقط كانوا من طبقة التجار الأثرياء، الذين عملوا في الاستيراد والتصدير وتجارة الذهب والعملات، وقد عمل بعض اليهود الأجانب ممن كان يزور الخليج للتجارة، وليس مقيماً فيها في تجارة اللؤلؤ وتجارة السلاح، وقد كان اليهود في المنطقة من أبرز وكلاء الشركات الكبيرة، للسيارات والأجهزة الكهربائية، وقد كان هؤلاء اليهود الأثرياء يعيشون في العراق، ولهم وكلاء محليون في الكويت، كافتتاح علي الكليب الخالد شركة شيفروليه في الكويت، كفرع للشركة في العراق، وكان وكلاؤها أفراداً من عائلة لاوي اليهودية.

ومن المهن التي احتكرتها الطائفة اليهودية في المنطقة، آنذاك، الإقراض بفائدة، حيث كان هذا الأمر مرفوضاً من كثير من أبناء المنطقة، لحرمته الشرعية، وكان أفراد من الطائفة اليهودية يتعاملون به، وقد احتكروا أيضاً تجارة بيع وإنتاج المشروبات الكحولية، وهي التجارة التي أربكت علاقتهم بالسكان المحليين وبالسلطة المحلية في بعض الأحيان، كما حصل مع الشيخ سالم المبارك في الكويت عام 1918، حيث ارتفع معدل استهلاك الكحول في الكويت، ما اضطر حاكم الكويت الشيخ سالم المبارك إلى منعهم من إنتاج وبيع الخمور، وشدد رقابته على ذلك.

الأوضاع الاجتماعية والسياسية

وقد «اعتبر أفراد الأقلية اليهودية في منطقة الخليج العربي رعايا أجانب للسلطات الأجنبية، حتى هجرتهم، ما عدا الأقلية اليهودية في البحرين»، وربما هذا الاندماج الكبير للأقلية اليهودية في البحرين، هو أحد أسباب استمرار بعضهم في العيش هناك إلى اليوم.

وبالنظر إلى الاختلاف بين الأقلية اليهودية في الخليج مع نظرائهم من اليهود، الذين عاشوا في أوروبا، نجد أن يهود الخليج لم يسكنوا في «جيتو»، أي مساكن خاصة بهم، كما هي الحال في أوروبا في تلك العصور، وقد اختلطوا بالسكان المحليين «ولم يتعرَّضوا لمضايقات أو تمييز ضدهم يهدد وجودهم ويدفعهم للهجرة، ما عدا بعض الحوادث الناتجة عن الصراع العربي – الإسرائيلي، أو نتيجة لحوادث محددة أو ممارسات مرفوضة من قِبل المجتمع»، كبيع وإنتاج المشروبات الكحولية.

ومن الدلائل التي تشير إلى اندماج الأقلية اليهودية في المجتمع المحلي، أنهم شابهوا السكان المحليين في مأكلهم وملبسهم، وحتى عاداتهم وتقاليدهم، ولم تكن الأقلية اليهودية في الخليج متدينة، بل كانت تحتفظ بقدر معيَّن من معالم الدين اليهودي، كأمور الدفن والمقابر الخاصة، وحضور الكنيس، وعطلة السبت، وقد كفل المجتمع المحلي وسلطته المحلية حرية ممارسة هذه الشعائر للطائفة اليهودية، و«لا تزال مقبرة اليهود في الكويت معروفة إلى الآن، وكذلك في الأحساء بمنطقة الهفوف»، ومقبرة اليهود في البحرين في المنامة هي أكثر واحدة من بينها توافرت عنها معلومات دقيقة.

وبرأي الباحث المطيري، فإنه «كلما ازداد حجم تدخل السلطة الأجنبية في الشؤون المحلية لإمارات ومشيخات الخليج العربي، تحسَّنت أوضاع الأقلية اليهودية»، وأن وجود سلطة محلية مسيطرة على وضع البلاد ساهم أيضاً في تحسين أوضاع الأقلية اليهودية، ورغم ذلك، فقد نبه الباحث إلى أن «تدخل السلطتين المحلية والأجنبية لمصلحة الأقلية اليهودية، أحياناً، تسبب في توتر علاقتها بالسكان المحليين، وأحياناً بين السلطتين الأجنبية والمحلية».

ولم تكن الأقلية اليهودية تهمل وضع أبنائها التعليمي، حيث كانت تعتمد على توفير قدر من التعليم والثقافة عن طريق الكنيس، وأيضاً، أرسلوا أبناءهم إلى مدارس الإرساليات العربية (الأميركية)، لكونها الخيار الوحيد المتاح، آنذاك، حتى إذا تم افتتاح المدارس النظامية، أرسلت الأقلية اليهودية أبناءها إلى المدارس النظامية، كما حصل في البحرين.

الأوضاع السياسية والصهيونية

وفي ما يخص تأثير الأقلية اليهودية في المنطقة، يقول المطيري إنه «لم يكن للأقلية اليهودية في منطقة الخليج العربي أي تأثير أو مساهمة في الحياة السياسية» لكونهم أقلية ورعايا أجانب.

وكذلك يشير إلى أن الأغلبية من يهود المنطقة لم تكن لهم علاقة سياسية أو دينية بالحركة الصهيونية، وإسرائيل، ولم يكن لديهم شعور بالانتماء، «ما عدا قلة قليلة من أفراد هذه الأقلية»، حتى إن الأقلية اليهودية في البحرين أصدرت بياناً باسمهم، يرفض قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، ويؤكد عروبة فلسطين، وأنهم مستعدون لمقاومة خطر الصهيونية، وعلى العكس من ذلك «رأت الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، أنه من الممكن أن تؤدي الأقلية اليهودية المستقرة في منطقة الخليج العربي دوراً حيوياً مهماً في تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي والمعنوي لدولة إسرائيل الناشئة».. وبالفعل، أدى عملاء الحركة الصهيونية دوراً حيوياً، آنذاك، لكسر الحصار المفروض على إسرائيل، وتهريب البضائع عبر منطقة الخليج العربي من إسرائيل وإليها، وكانت قبرص هي المحطة الرئيسة لتهريب تلك البضائع، وبريطانيا هي المشرفة على فك هذا الحصار المفروض على الدولة الإسرائيلية.

الهجرة

يؤكد الباحث في الفصل الأخير من بحثه، أن الأقلية اليهودية في منطقة الخليج «لم تتعرَّض للطرد، بل هاجرت طواعية، لأسباب غالبيتها اقتصادية واجتماعية وأمنية، وجاءت في فترات مختلفة، بعضها قبل ظهور الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل، التي لم تكن الخيار المفضل للهجرة»، رغم أن هناك أحداثاً أشار إليها الباحث نفسه تشير إلى طرد بعض أفراد الأقلية اليهودية من الكويت، إضافة إلى منع اليهود من دخول الكويت والبحرين في فترة تصاعد وتيرة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث يشير الباحث إلى أن الطبقة الفقيرة هي التي هاجرت إلى إسرائيل، بسبب الفقر، ووجود الإغراءات المالية التي عرضتها عليهم الدولة الإسرائيلية، آنذاك. أما الخيار المفضل للهجرة، فكان أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وفعلاً، فقد هاجرت الطبقات الوسطى والغنية إلى تلك الدول المتقدمة.

يهود الخليج والصراع العربي – الإسرائيلي

ساهم تفجُّر وضع الصراع العربي – الإسرائيلي في القرن الماضي، بتدهور العلاقة بين الأقلية اليهودية والسكان المحليين في المنطقة.. وبرأي الباحث المطيري، فقد ساهمت الصحف والمجلات العربية والمحلية في تأجيج تلك الأوضاع، خصوصاً المجلات ذات التوجه القومي في البحرين والكويت، والصحف العربية المصرية كـ«الأهرام» و«المصري»، وأشاعت الصحف العربية أخباراً بعضها غير صحيح عن أوضاع الأقلية اليهودية في المنطقة، وكما يقول المطيري، فقد حرضت على كل ما هو يهودي «تأثراً بالفكر القومي المنتشر في تلك الفترة» مع بعض التأثيرات الأخرى التي أشار إليها الباحث، أيضاً، وقد ساهم الصراع العربي – الإسرائيلي، والتحريض المستمر ضد اليهود، إلى مقاطعتهم، اجتماعياً واقتصادياً، حتى إن الشاعر الكويتي فهد بورسلي تأثر بموجة المقاطعة تلك، وقال:

حلال الناس يسبونه سبي
خالفونا وخالفوا دين النبي
قاطعوهم من كبير ومن صبي
وخلوا تبور السلع في الجامة

ووصلت الحال في بعض الحالات إلى تعرُّض بعض أفراد الأقلية اليهودية لاعتداءات، وهي حالات قليلة، ولم تكن سلوكيات عامة، كما يشير لها الباحث، بل في حوادث معينة عملت السلطات المحلية على حماية الأقلية اليهودية، وكذلك فعل بعض السكان المحليين، كما تشير إلى ذلك المصادر الأجنبية والمحلية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *