الرئيسية » قضايا وآراء » يوسف عباس شمساه : فن إدارة الأزمات

يوسف عباس شمساه : فن إدارة الأزمات

يوسف عباس شمساه
يوسف عباس شمساه

قبل بضعة أيام، خرج تصريح مواكب للوضع الحاصل في اليمن، ممثلا عن وزارة الصحة، مفاده أن الوزارة جاهزة ومستعدة لأي ظرف طارئ تتعرَّض له البلاد.

وفي دولة كالكويت، التي تشتهر بنثر تصريحاتها الرسمية على مسامع مواطنيها، فمثل هذه الإفادات يجب ألا تمر مرور الكرام، لأنها تعد بحد ذاتها كارثة تتطلب معالجات خاصة.

إن الحديث عن إدارة الأزمة والكوارث لا يقتصر فقط على التعامل مع الحدث فور وقوعه، ولا يعني أبدا أن تبدأ مراسيم الإدارة مع بدء الأزمة وتنتهي مع انتهائها، بل تتطلب ذلك ثلاث مراحل متصلة ومتتالية، انطلاقا بمرحلة ما قبل الأزمة، ثم مرحلة الحدث نفسه، أي الأزمة، ثم مرحلة ما بعد حدوث الأزمة أو الكارثة، وأهم هذه المراحل وأصعبها هي المرحلة الأولى، لما فيها من بذل الجهد والفكر والطاقة والعمل لوضع خطة تستهدف بشكل مباشر تقليل الخسارة المادية أو المعنوية التي ستنتجها كارثة ما بالضرورة ستكون غير متوقعة وغير متنبأ بوقوعها.

لذلك، نستطيع أن نحدد في هذا السياق جملة من الجهود التي يجب أن تبذل قبل صدمة وقوع الكارثة في أولى مراحل إدارة الأزمة، وهي:

-1 تهيئة الوضع العام، ليسهل التعامل مع الأزمة، ويكون ذلك من خلال تكوين فرق تطوعية من المواطنين وتدريبهم على التعامل مع مثل هذه الأمور، وتثقيفهم طبيا، عن طريق دورات للإسعاف وغيرها التي لا تحتاج لتخصص أو شهادة علمية لمزاولتها، مع الأخذ بعين الاعتبار التدريب النفسي والجسدي، سواء لطاقم الأمن والمطافي، أو حتى لفرق التطوع.

-2 تجهير كامل المعدات والأدوات التي تستخدم للبحث أو النقل أو الإسعاف والعلاج، ونقصد هنا بالتجهيز، هو توفير عدد من المعدات يفوق العدد المتوقع استخدامه عند وقوع الأزمة.

ولو نظرنا إلى تصريح وزارة الصحة، باستعدادها لما هو طارئ، سنكتشف زيف هذه الادعاءات وبطلانها، فكيف لمن لا يملك أسرة كافية في الظروف الاعتيادية، أن يكون مستعدا في ظرف طارئ؟! فضلا عن الأرواح التي تفقد، بسبب الأخطاء الطبية.

أما المرحلة الثانية من مراحل إدارة الأزمة، وهي وقوع الحدث الكارثي، فتتلخص الجهود في تقليل النتائج واحتواء الكارثة، وخير مثال على التعامل مع الأزمة لحظة وقوعها، ما حدث في مدريد عام 2004، بعد الانفجار الذي طال بعض قطاراتها، فتذكر التقارير أنه في فترة لا تتحاوز الـ 15 دقيقة وصل إلى مكان الحادثة ما يقارب 5300 شخص متدرب، 3500 رجل أمن، 250 سيارة إسعاف، استعداد 38 مستشفى لاستقبال الجرحى ومعالجتهم، وكل هذا حدث في 15 دقيقة في مدينة تعداد سكنانها يفوق 5 ملايين نسمة.

لن أذهب بمقارنة التعامل بين الكويت ومدريد، لأنه ولله الحمد لم نشهد كوارث في منطقتنا، لكنني سأكتفي بسؤال عن المدة التي تتطلبها سيارة إسعاف واحدة أو سيارة أمن واحدة، للوصول لموقع اصطدام سيارتين في الأيام الاعتيادية.

أخيرا، مرحلة ما بعد حدوث الأزمة، التي لا تقل أهمية عما سبقها، فهي تقوم على تقييم الآثار الناجمة عن الحدث، وتطوير مواضع الخلل في خطة الإدارة، والقيام بمراجعة دقيقة عن سبب هذه الأزمة، أياً كان مستواها وحالتها، ومحاسبة المتسبب في ذلك.

وبما أن المحاسبة عندنا يقابلها مصطلح “المكافأة”، يتبيَّن لنا أن تصريح مثل هذا صادر عن وزارة الصحة في بلدنا الكويت، ما هو إلا مادة إعلامية للضحك والترويح عن النفس.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *