الرئيسية » عربي ودولي » التمزق العربي في ذروته والتطبيع مع إسرائيل أصبح تكاملا.. فماذا نأمل؟

التمزق العربي في ذروته والتطبيع مع إسرائيل أصبح تكاملا.. فماذا نأمل؟

قرارات القمة لم تكن مختلفة عن غيرها من القمم السابقة
قرارات القمة لم تكن مختلفة عن غيرها من القمم السابقة

محمد الغربللي:
في أحد كتب محمد حسنين هيكل، روى حادثة جرت في مؤتمر القمة العربي، الذي عُقد عام 1965 في المغرب، قائلا إنه جرى الترتيب بين رجال الموساد الإسرائيليين والجنرال محمد أوفقير، لنصب كاميرات تصوير تلفزيونية في قاعة اجتماعات الرؤساء، لنقل الصورة بشكل مباشر عن الزعماء العرب المجتمعين، بالأقوال والتصرفات وتعابيرالوجوه، ليكونوا (الموساد) أقرب ما يكون لدراسة كل ما يدور في القاعة.. وقد قدَّم أعضاء الموساد أجهزتهم في النقل على أنها تابعة لشركة فرنسية مكلفة تغطية القمة العربية.. هيكل ذكر هذه الحكاية تفصيلاً.

هذا الموضوع طرح مجدداً من قِبل الصحافي في جريدة السفير البيروتية، حلمي موسى، في عددي «السفير» 21 يناير و23 مارس الماضيين، ولكن بإطار أوسع، استناداً إلى تحقيق نشر في إسرائيل أخيرا، أعدَّه باحثان في شؤون الاستخبارات، هما رونين بيرغمان وشلومو نكديمون، ويحكي عن مساهمة إسرائيل في عملية اغتيال المناضل المغربي العالمي المهدي بن بركة، وهي العملية التي دبَّرها الجنرال محمد أوفقير وأحمد الدليمي، وكان هناك تعاون كبير جداً في ذلك الوقت بين الاستخبارات الفرنسية والإسرائيلية، كما ارتبط التعاون الإسرائيلي مع الاستخبارات المغربية منذ عام 1960، من خلال محاولات إسرائيل ونجاحها في تهجير أعداد كبيرة من يهود المغرب إليها، حيث بلغ عددهم 80 ألف يهودي.

ويذكر الصحافي ما نصه «وصل التعاون إلى ذروته في سبتمبر من عام 1965، حين عقد في الدار البيضاء مؤتمر القمة العربية، الذي بحث في إنشاء قيادة عربية مشتركة، لمحاربة إسرائيل، مستقبلاً، وقد سمح الملك للموساد بمراقبة المؤتمر عن كثب، ووصل طاقم من وحدة العصافير، برئاسة تسفي ملحين ورافي إيتان إلى الدار البيضاء، وخصص لهما المغاربة طابقا وسطاً في الفندق، تحت حراسة مشددة، وفور انتهاء المؤتمر، قاما بتسليمنا (الجهات المغربية) كل المعلومات الضرورية، ولم يحجبا شيئاً.. ووفق صحيفة يديعوت أحرنوت، فقد كان لهذه المعلومات أهمية كبيرة لإسرائيل، من حيث إطلاعها على نمط تفكير القادة العرب وإدارتهم المركزية، وعدم استعداد قواتهم لخوض حرب ضدها، كما كانت هذه المعلومات بعد العملية الخاصة بالتواجد الإسرائيلي في القمة، للاطلاع عن كثب على الاجتماعات، أحد الأسس التي قادت إلى الهجوم الإسرائيلي في حرب عام 1967»، وبعدها بشهر واحد تمَّت تصفية المهدي بن بركة في باريس، بالتعاون المباشر مع الاستخبارات الإسرائيلية.

دعوة القمة

عندما نتحدث عن هذه القضية في مكانها وزمنها التاريخي، نجد أن مؤتمر الدار البيضاء عُقد بعد انعقاد مؤتمر الإسكندرية، الذي تم بدعوة من الرئيس جمال عبدالناصر عام 1964، لمواجهة التعدي الإسرائيلي، الممثل بمشروع تحويل مياه نهر الأردن، وفي ذلك الوقت، اعتبرت هذه الخطوة تعدياً إسرائيليا كبيرا، ما استدعى التنادي العربي لمواجهة الأخطار التوسعية الإسرائيلية.

أين ذاك التعدي الإسرائيلي في ذلك الزمن من التعديات الإسرائيلية المتوحشة في الوقت الحالي في غزة والضفة الغربية، والهجمات الإسرائيلية في كل مكان قومي: سوريا، السودان، لبنان.. من دون أي حراك أو حتى ردة فعل عربية تجاه ذلك؟! بل منهم مَن يؤيد مثل تلك الاعتداءات بقلبه أو لسانه أحياناً؟!

الطريف في أمر قمة الإسكندرية، هو البيان الختامي، الذي يدعو إلى إنهاء الخلافات العربية وتصفية العلاقات، ودعوة دول العالم للوقوف إلى جانب الأمة العربية في صد العدوان الإسرائيلي.. ولا نجد في تنفيذ بنود هذا البيان إلا زيادة العدوان الإسرئيلي مئات المرات، وزيادة الخلافات العربية، وتعكر العلاقات العربية أكثر من أي وقت مضى.. ونحن نتحدث عن زمن 64 و65، عندما كانت القضية الفلسطينية في طليعة القضايا العربية، وكانت مرحلة البناء والتحرر الوطني، بعد نيل استقلال العديد من الدول العربية، كمثيلاتها في دول العالم الثالث.. وكذلك المرحلة حيث كان الشعور العربي يتعدي الحدود ويزيل الحواجز من دون مرجعيات قائمة على المذهب أو القبيلة أو أنانية القطرية أو الانعزالية، ومع ذلك أو فوق ذلك بالأحرى، كان هناك تعاون خفي بين أطراف عربية، والموساد الإسرائيلي، وفق ما ذكره هيكل والباحثان الأمنيان الإسرائيليان أخيرا.

الواقع العربي

أمام هذه الصورة، ما هي حال القمم العربية التي تعقد، وآخرها تلك التي عُقدت في مصر، وسط انشقاق عربي كبير على مستوى قُطري وعربي عام؟!

ليبيا فيها حكومتان ومجلسان، أدوات نقاشهما السلاح بكل أنواعه.. اليمن «يخزن» بشكل متواصل أدوات وسلاح الحرب الأهلية، وهي على الأبواب، باتساعها الكبير.. العراق مجزأ، وما يشبه دولة كاملة الأركان في الشمال مع تعاون إسرائيلي كبير وحروب طائفية في الداخل، مستندة إلى المذهب وفروقات المذاهب ومساحات كبيرة محتلة من قِبل «داعش».. سوريا وصلت إلى مرحلة التهشيم النهائي، التي قد لا تستطيع معها إعادة الالتحام مرة أخرى.. التهويد والاستيطان يلتهمان يومياً الضفة المحتلة، والحصار يلتهم غزة من كافة أطرافها الجغرافية، بالشرق والغرب والشمال والجنوب، وهي ذات مساحة لا تتعدى مئات الكيلومترات.. السودان أصبح دولتين، وسارعت «غوغل» إلى رسم خريطة الدولة الجديدة.. تعدَّت بعض الدول العربية مرحلة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، لتصل إلى مرحلة التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني.. الشعوب مقهورة في الأقطار كافة، ومَن يُطالب بالحقوق مصيره المحاكمات أو السجن دونها، مادامت المحصلة واحدة.. وبعد ذلك نتساءل؛ ما فائدة كل هذا العناء من اجتماع دوري أخذ الطابع الشكلي البحت؟ وماذا ستكون مقرراته في جامعة هرمة كأصحابها؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *