الرئيسية » آخر الأخبار » احتفاءً بيومه العالمي.. شعراء: أمنياتنا أن يسود الشعر العالم.. فلا فن سواه ينتصر لإنسانيتنا

احتفاءً بيومه العالمي.. شعراء: أمنياتنا أن يسود الشعر العالم.. فلا فن سواه ينتصر لإنسانيتنا

أحمد الفلاحي
أحمد الفلاحي

استطلاع: هدى أشكناني
الشعر أن تقف بكامل حريتك، من دون قيود، تستعيد الطفولة الأولى باندهاشك، تساؤلاتك، تأملاتك..
الشعر في يومه، أمنيات وآمال، مع احتفالنا السنوي بيوم الشعر العالمي، ونحن نبحث عن ملجأ نحتمي به من قبح الحياة وخراباتها.. ارتأت «الطليعة» أن تشارك بعض الشعراء باستطلاع رأي يخص الشعر، يتمحور حول الأسئلة التالية:

– صف مفهومك للشعر؟
– ما الأمنيات التي تود أن يحققها الشعر ولم يحققها من قبل؟
– هل هذا الزمن لم يعد زمن شعراء، كما قال الشاعر الراحل كمال سبتي؟

بداية، يصف الشاعر أحمد الفلاحي الشعر، فيقول: الشعر هو تلك الدهشة التي تُخلق بالومض، وتعلق بالذهن، تترك الوجدان في خلخلة حانية، يتربص بك كحارس ليلي لا يغفو.

ويكمل وصفه بلغة مرنة: الشعر هو الكائن الذي يخلق من اختلاجات لا نعرف كنهها، يولد في لحظة برق خاطفة، ويومض، ليشعل مصباحاً لا ينطفئ.

الشعر ليس قالباً أو شكلاً، إنما هو فيض، لا تمنعه اللغة والمكان، يبتعد عن التقوقع، كلما أهديته إنسانيتك، ويشرد عنك، كلما أسقيته الآسن من شعافك.

سيرورة خلاقة

وعن أمنياته في يوم الشعر العالمي، يؤكد أن الشعر حقق الكثير مما لم تحققه السياسة والإدارة، لكن يجدر به أن يحقق اليوتويبا الإلهية، أن يزهر في العالم، ليحل السلام ليؤنسن الإنسان.

وعن رأيه، ما إذا لم يكن هذا الزمن للشعراء، يقول الفلاحي: «الشعر في كل مراحل الإنتاج الإنساني كان قادراً على الصمود والتألق، بإبداع زاهر وسيرورة خلاقة متجددة تثبت في مواجهاتٍ عدة، وعبر أنواعه، وتعدد أشكاله الإبداعية، أفصح عن قـدرته على محاورة الأنساق الثقافية الأخرى، كالرواية والقصة وغيرها، فقد انفـتح على تـطور الفكر الإنساني، وأصبح متاخماً له في كل تغيراته، ولا أعتقد أن هذا الفضاء الشعري الآن سيفارق صيرورة وجوده، فهو معتاد على السجال منذ المدينة الفاضلة التي أخرج منها الشعراء، وزمن الشعر ديوان العرب إلى زمن قيل فيه إن الرواية ديوان العرب، الشعر كالعنقاء يظهر من الرماد، ويحلق عالياً، فكل الأزمنة له فضاء.

المرآة

في حين يصف الشاعر وفائي ليلا الشعر بلغة شفيفة، بقوله:

الشعر أن تستعيد نفسك، تلتقطها.. أن تكف عن سواك، وتكون أنت.
الشعر هو الذي يضعك أمام مرآتك الحقيقية، من دون تيجان غرور، ولا قبعات أدوار.
الشعر هو الضعف الذي يستسلم للحقيقة، لا يكترث أن تعجب أحدا، أو تلقى إصغاء أحد.
الشعر هو أن يتغلغل العالم فيك، غاباته، أنواؤه، وكل تعرجات الطبيعة.
أن تقف مندهشاً، ومستاء، ومعجباً، ومتألماً.. كل مرة على جرف الحياة التي تشي بخطوة الفراغ التي قد تُسقطك وإلى الأبد.
ويتشارك ليلا مع الشاعر أحمد الفلاحي في أمنياته بيوم الشعر، فيقول:

أمنياتي أن يسود العالم الشعر، أن يصير لغة الناس، هواءهم وشمسهم، وكيف يرون..
أمنياتي أن ترقص الجموع على وقعه، تغني وتسمع موسيقاه على امتداد الأرض.
أن يمنح الأطفال فراشات أمل، وأن يعطي الجُند على خطوط موتهم فرصة، ليرموا القبعات.
أمنيتي أن تتلون الأبواب به، وأن تُنسج الحكايات بخيوطه.

ويكمل وفائي ليلا بتفصيل أمنياته:

أمنيتي أن يكون لغة الصمت، وحديث الطريق، والجانب، همس النساء الحميم، وتأمل المفكر، ولمعة الكشف عند العالم، وقبلة المراهق، وعناق الناس بعضهم بعضا، من دون سبب مفهوم.

وعما إذا كان هذا الزمن للشعراء، يقول ليلا: «لأنه زمن الموت والعتمة، لأنه زمن الحروب والطغاة والتوحش، لأنه زمن الجوع والفقر والمرض، لأنه زمن تراجع الضمائر والصمت عن القتلة، لأنه زمن الأنانية والسباقات المميتة التي تسحق كل ما ليس أولاً.

لأنه زمن العبث بالطبيعة وسحقها، واغتيال الحضارات، والرجال الذين يسطون الله بسواد قلوبهم، لأنه زمن الأقبية والسجون والتكميم والجلد والذبح، لأنه زمن التضليل والتزوير وخلط الأوراق واللعب بمصائر الناس بخفة الحواة، وطرافة السحرة.

لأنه زمن القتل بالصوت والصورة، المحو والإلغاء والشطب وانهيار القيم وتوحش الكائن وصعود نجم المال.

لأنه زمن التملق والكذب والنفاق واللعب على كل الحبال، وعدم الإفساح للكائن الوحيد والضعيف والهش أن يقول.

لأنه زمن لا يسمح بالمختلف وينهش قلب الآخر، الذي لا يشبهنا، ويمحو صور الكائن المتعدد والمتنوع والغني، ويحيلنا إلى واحد في الذائقة والرغبات والميول والشكل والتفكير واللغة.

لأنه زمن القوة والبطش والقبح، الذي يرتدي ملابس سهرة أنيقة، ويُجيد تصويب مسدساته إلى قلب الجمهور.

لأنه كل ذلك، وجب أن يكون الشعر وأنبياؤه ضرورة وضرورة ملحة، ووجب أن يكون هو الخلاص.

حسين آل دهيم
حسين آل دهيم

الوهم

يجد الشاعر حسين آل دهيم، أنه على مر العصور، لم يستطع المدّعون تأطير الشعر، أو تحديده في مفاهيم أو قولبته

بتعريفات هي أقرب للتوهم منها للحقيقة، التي يتجلى الشعر من خلالها، فالشعر كان متفلتا ومتحولا وغير ثابت، الأمر الذي يفشل كل المحاولات التي حاولت تقييده في توصيفات لا تليق به، فيقول: الشعر معادل للحياة، في وهجها وغموضها وتعدد وجوهها أفقياً ورأسياً.

الشعر بصيغته الحقيقية، عصي على التوصيف، لأنه خلق للانسراب في دواخلنا، بما يشبه الكثير من المشاعر التي لا نفهمها، إلا من خلال لذتها وألمها، والرعشة التي تخلفها فينا، وانتفاض قلوبنا حين تسكننا.

الحلم

وعن الأمنيات التي يأمل الشعر في تحقيقها، يقول:

الشعر يستحق منا أن نعود إليه، لأنه مرآتنا التي نرى دواخلنا من خلالها في زمن شوهته آلات الاستهلاك والتسطيح والقشرية.

يعتقد بعض الذين يسكنون في الزمن السحيق، أن الشعر خبا بعد قيامة، وخفت بعد ضجيج، لكن هؤلاء واهمون، لأنهم لم يقفوا على حقيقة الشعر.
الشعر، هذا الكائن القادر على تفتيق وتثوير طاقات اللغة. هو من ينقلنا للضفة الأخرى للجمال، في ما يشبه الحلم، هذه الضفاف ليس لها تذكرة إلا باسم الشعر وحده، أشكال التعبير الأخرى تصف الحياة ومجرياتها، الشعر يحفر في الحياة، كي يرينا أننا نشبهها وننتمي لها.

سيد الخطاب

في سؤالنا حول ما اذا كان هذا الزمن زمن شعراء، يؤكد آل دهيم، أن الشعر لم يغادر مكانته، لكن الناس هم من غادروه، هو ظل ينتظر من يستطيع مقاومة وهجه، أما من انطفأ الشعر في دواخلهم، فلن يهبهم الشعر شرف المحاورة.

ويضيف: الشعر هو سيد الخطاب، والشعراء أسياد الكلام، الشعراء الذين ينشرون الحب، السلام والتعايش، الشعر هو مطيتهم التي لا تجنح عن طريق الجمال واللغة المتجاوزة التي تجسد الإنسانية في أبهى صورها.

تصف الشاعرة علية الأدريسي الشعر وصفاً أقرب لخيال طفلة، فتقول: وأنت تكتب أحلامك على ورقة عذراء، تتخيَّل هذا العالم نخلة سامقة، أو نجمة تضيء قبر الأكوان، التي تنتظرك في مكان أليف، لتروي لك حكايا الجدات اللواتي يطرزن عطر الأشجار المثمرة.
وتكمل وصفها، قائلة: الشعر هو هذا المطر الغزير الذي يزور القرى البعيدة، ليتجول الطريق في وعود صامتة أو لتنقر العصافير ألوان الهمس الذي نتعجله، ليشرب العابر حافة الوقت.

علية الإدريسي
علية الإدريسي

الحرف

وعن سؤالها عن الأمنيات التي تود أن يحققها الشعر، ولم يحققها من قبل، تود الأدريسي لو يُكتب الشعر في كل مكان.

وتوضح حول ما إذا كان هذا الزمن زمن شعراء، أن العالم حرف لا أهل له، في الصمت يلعب الأرجوحة ويحترف بلاغة الليل، ليرسم خطوات غاوية بلا حقيبة سفر، ثم يعود على ظهر ورق، متى زاغ الفرح.

وتضيف: لا زمن لجنس أدبي لا ينتصر للشعر، فيمد يده للحنين من أقصى الحرف المطلق.
ويرى الشاعر جميل عمامي، أن الشعر هو مفهوم مطلق، لا يمكن حصره في تعريف، من دون غيره، لكنه هو ككل التعريفات التي يمكن أن تصفه بأنه فن يجمع بين جمال التصوير وإيجاز المفردة وتكثيفها، وهو فعل حركة وحياة وبحث في جماليات الممكن المتاح من توصيف للأمكنة واشتغال على التفاصيل اليومية، وفي مدى التصاقه بالواقع والمبتذل أحيانا.

العطاء

وعن الأمنيات التي يود أن يحققها الشعر ولم يحققها من قبل، يقول:

أعتقد أن الشعر دائما يحقق ما هو مطلوب، وما هو غير مطلوب منه، فليس هناك تابوهات ومواضيع لم يقلها الشعر، وليس هناك قضية لم يدافع عنها الشعر هذا الكائن المنفلت، أنا شخصيا مدين للشعر بكل حياتي.
ويضيف: الشعر منحني كل شيء، لكن ماذا منحنا نحن للشعر؟
الشعر دائما كان عند حُسن ظن الشاعر والحياة، لأنه ينتصر إليها، ويدعو للسلام والحب، لذلك مازال أمام الشعر الكثير ليحققه.. أمام الفن بصفة عامة، في ظل ما نعيشه اليوم من بشاعة وتوحش وقتل، نحن نحتاج إلى الفن أكثر من أي وقت مضى، كي يهذب الذائقة، ويذكر الإنسان بالخير الذي في داخله.

جميل عمامي
جميل عمامي

الفن

وعما إذا كان هذا الزمن لم يعد زمن شعراء، كما قال الشاعر العراقي الراحل كمال سبتي يبدي جميل عمامي استغرابه، فيوضح أن كثيرا ما تتردد هذه الأطروحة على مسمعه ويحاول أن يفهمها، إن كان المقصود بذلك انحسار دور الشعر وبروز زمن الرواية، مثلا، أو فن الصورة والسينما والمسرح، ويكمل قائلا: لكن للشعر قدرته العجيبة على استقطاب بقية الفنون وتذويبها لخدمته، وبالتالي لا معنى لقول كهذا.

ويختتم: الشعر هو حاجة إنسانية مثل بقية الحاجات، فالشعر كائن متطور ومتغيّر مع كل زمن، فلكل وقت شعراؤه، الذين يعملون على تكييف النص وفق مقتضيات العصر وثقافته.. للشعر دائما ما يفعله، وهو فن عابر للأزمنة والأمكنة، وكل زمن.. هو زمن الشعراء.

الجريمة

فيما تجد الشاعرة آية منصور، أن الشعر لا يُفهم، وأنها لا تراه سوى أنه جريمة.

آية منصور
آية منصور

وتقول: أنا لا أراه سوى أنه جريمة، تدفعك للتباهي بها.. إنه ليس سوى كيس تحمل به جثة، وتقدمها للحضور بابتسامة، ليصفقوا لك على عملك هذا، مصيبة ما وعليك دفعها لتخرج من رحم عقلك، مثل أي حبلى.. إنه غاية الأموات، ليعيدوا لأرواحهم الوقوف عند عتبة الحياة، ووسيلة الإحياء، لرميهم في بئر الموت.
وعن الأمنيات التي تود أن يحققها الشعر، ولم يحققها من قبل، تقول منصور: إنه – أي الشعر – أمنية بحد ذاته، تنتقل من قصيدة لأخرى، من دون عناء، حتى يلتقطها أحدهم بلحظة حظ ويرمي بها بعد ذاك للهواء مرة أخرى، من دون تحقيقها، لذلك نراه أحيانا، مشتت الفكر.. إنه مثل رئيس قبيلة، عليه فقط جمع الشعوب تحت خيمته.

وتؤكد الشاعرة آية منصور، أنه ليس للشعر أي زمان محدد لانتهاء صلاحيته، وتوضح: هو مثل التأريخ، يشع كلما أضيف له المزيد من المغامرات، وفي وقتنا هذا، قد يعيش أوجها متعددة، إذ إنه أحيانا يمتص حياتنا ببساطة بالغة، من دون أن ننتبه، ليعيد تعبئة قصيدة جديدة.. هكذا بأنانية غير مقصودة.

ما لا يقال

رقية الفريد
رقية الفريد

«الشعر هو برأيي قول ما لا يُقال، لأن ما قيل تشبعنا منه».. هكذا تصف الشاعرة رقية الفريد الشعر، وتقول:

الشعر الذي يأخذك في جولة لعالم منسي غير مُتحسَس، يفتح عليك الأسئلة، يأخذك في الجولة، ولا يعيدك، وإن عدت منه، فبمشقة الجزع أو التيه أو الامتنان.

وعن الأمنيات التي تود أن يحققها الشعر ولم يحققها من قبل، تتمنى الفريد أن يستيقظ الإنسان، كما في شعره.. أن تكون الرسالة المكتوبة مترجمة بفعله، وتضيف: الشعر لن يكون شعرا إذا ما تخلى عن الإنسانية ونفض عن نفسه خراب هذا العالم، فهو كلام يُلقى في صدر الهواء.

كما تعارض الفريد الرأي القائل بأنه ليس زمن شعراء، وتؤكد أن الشعر ليس مخلوقا بالقلم والورقة، فالشعوب البدائية بأسرها شعراء حياة، وأن الشاعر فينا لن يموت إلا بفناء الإنسانية جمعاء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *