الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : بالمراوغة.. يتسلِّم «الإخوان» مفاصل الدولة

عبدالله النيباري : بالمراوغة.. يتسلِّم «الإخوان» مفاصل الدولة

عبدالله النيباريمعركة حماية مكاسب الربيع العربي تتحدد وفقاً لنتائج الصراع السياسي الحاد في مصر، بين قوى المجتمع المدني وقوى الإخوان وحلفائهم، من حزب النور السلفي والجماعات الإسلامية.

 سلاح القوى الإسلاموية، هو التستر بجلباب الدين والشرع، لتحقيق مآرب سياسية، تتركز في الهيمنة على الدولة المصرية، والإمساك بمفاصلها، واستخدام مصالح الدولة لترسيخ هيمنتها.

وإذا ما تم ذلك يكون قد تم إجهاض ثورة 25 يناير، وتقويض أحلامها، بالتحوُّل إلى نظام ديمقراطي يجري فيه تداول السلطة عن طريق صندوق الانتخاب.

وما هو مشاهد على الساحة المصرية، فإن الإخوان وحلفاءهم لن يتخلَّوا عن السلطة، متى ما تمكنوا من الإمساك بمفاصلها، ونشر نفوذهم في شبكة عروقها، وبعد ذلك لن يكون هناك تداول سلطة، ولا تنازل عن مواقع فيها، واستكمال المسيرة لإعادة إنتاج نموذج حُكم شبيه بما هو حاصل في السودان وإيران.

شواهد ذلك كثيرة، وفي كل يوم، منذ انتخابات مجلس الشعب، بل قبل ذلك تصرُّفات الإخوان تدلل على ذلك وتؤكده .

 بعد سقوط نظام حسني مبارك وتولي قيادة الجيش السلطة، طرحت مسألة إعادة تنظيم الدولة بإصدار دستور وإجراء انتخابات للبرلمان، بمجلسيه، ورئاسة الدولة، وتشكَّلت لجنة لإعداد الدستور، شارك فيها الإخوان والعديد من العناصر القريبة منهم، وكانت لهم الغلبة.

كان رأي معظم القوى المدنية والأحزاب هو البدء بإصدار دستور للبلاد قبل الانتقال إلى المراحل الأخرى، بانتخاب البرلمان ورئيس الدولة، إلا أن الإخوان توافقوا مع العسكر لتقديم انتخابات المجلس النيابي ورئاسة الدولة قبل إعداد الدستور، وصدر ما سُمي الاعلان الدستوري في 23 مارس 2011.

وجرت انتخابات مجلس الشعب ومجلس الشورى وفقا لذلك، ووفقا لنظام انتخابي قضيت المحكمة الدستورية في ما بعد بإبطاله وإلغاء نتائجه، وحُلَّ مجلس الشعب، الذي كان للإخوان وحزب النور السلفي أكثر من 70 في المائة من أعضائه.

وعود الإخوان

قبل الانتخابات، وعد الإخوان بأنهم لن يرشحوا أكثر من 40 من أعضاء المجلس، وخلفوا بوعدهم.

وقبل انتخابات الرئاسة قالوا بأنهم لن يرشحوا أحدا للرئاسة، وان أي عضو منهم يترشح للرئاسة سيفصل، وفعلا تم فصل عبدالمنعم أبوالفتوح، لإصراره على الترشح للرئاسة، ولكن ما لبث أن تراجع الإخوان عن قرارهم، بعدم الترشيح، ورشحوا المليونير مدير استثماراتهم خيرت الشاطر، الذي سقط ترشيحه، بسبب مخالفات قانونية في سجله، فاستبدلوه بترشيح د.محمد مرسي.. وكانت هذه أول النكوص والتراجع عن وعودهم، والتي أصبحت عادة.

حصل مرسي على خمسة ملايين وسبعمائة صوت، بنسبة 25 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين المشاركين في الانتخابات، وعددها 23 مليون صوت، تشكل 46 في المائة من إجمالي الناخبين، أي أن الأصوات التي حصل عليها محمد مرسي تشكِّل 11 في المائة من إجمالي من يحق لهم الانتخاب، وفي الإعادة بينه وبين أحمد شفيق استفاد مرسي من أصوات القوى المدنية التي منحته أصواتها ضد أحمد شفيق، المحسوب على نظام مبارك، وفاز بأغلبية ضئيلة بنسة 51.7 في المائة (13.2 مليونا)، وهي تعادل 25 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين، حصل عليها بفضل مساندة قوى سياسية من خارج الإخوان والسلف. بعد انتخابه، ذهب د.مرسي إلى ميدان التحرير، وأقسم اليمين أمامهم، ووعد بأنه سيكون رئيسا لكل المصريين. وكان الناس في انتظار تشكيل طاقم الرئاسة، من مستشارين ومساعدين، واختيار رئيس وزراء، وكانت هناك آمال، بأن يتم تشكيل حكومة وطاقم رئاسة من مختلف القوى، وأن تتغلب فيها على المصلحة الحزبية الضيِّقة للإخوان، لكن ما حدث غير ذلك، فقد جاء تشكيل مكتب الرئاسة والحكومة من عناصر الإخوان، ومن حلفاء للإخوان.

على جبهة مجلس الشعب، حدث الشيء نفسه في تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، حيث تغلَّبت النزعة الحزبية، فجاء تشكيل اللجنة بنسبة أكثر من 70 في المائة من أعضائها من الإخوان وحزب النور السلفي والمحسوبين عليهما، ما أدَّى إلى خلافات حادة حول صياغة الدستور، بسبب فرض آراء ومقترحات هذا التحالف على اللجنة، ما أدَّى إلى استقالة وانسحاب القوى الأخرى، بمن فيهم ممثلو الكنيسة القبطية، واتجهت اللجنة لصياغة دستور لا يعبِّر عن التوافق بين مكونات المجتمع، ولا يعكس نظام دولة مدنية، كما وعد الجميع بذلك.

من جانب آخر، مضى د.مرسي إلى تطبيق مخطط الإخوان في السيطرة والإمساك بمفاصل الدولة، فأشعل أحداث اعتداء مجموعة من الإرهابيين على قوات الجيش في سيناء، وأعلن قراراته الأولى، بإقالة قيادات الجيش والقوات المسلحة، التي سبق أن تعاون معها، واستبدالها بضباط من اختياره، وأقال النائب العام، وعيَّن نائبا عاما جديداً، بالمخالفة لنظام القضاء، الذي يوجب أن يكون ترشيح النائب العام من قِبل المجلس الأعلى للقضاء منذ فجر أول أزمة مع القضاء.

وفي الوقت ذاته، حاول تطمين أميركا وحليفتها إسرائيل، بأنه سيتمَّسك بالمعاهدات الدولية، والمقصود معاهدة كامب ديفيد، التي وقفوا ضدها أيام السادات وحسني مبارك، وبادلتهم أميركا الود، بإرسال وفود عالية المستوى، ومهَّدت لهم الاتفاق مع الصندوق الدولي، الذي تعهَّد بتقديم قرض بمبلغ 4.8 مليارات دولار.

مضى الإخوان في تنفيذ مخططهم، واستغلال كل ظرف أو حادث ينشأ للتقدُّم خطوات في تنفيذ هذا المخطط.

وجاءت أحداث غزة، لتوفر فرصة لابطال تنفيذ ذلك المخطط، مستغلاً رضا الأميركان على ما قام به مرسي من دور في الضغط على «حماس» والقوى الفلسطينية للتوصل إلى هدنة وتفادي شن إسرائيل حربا على غزة لا تريدها أميركا ولا حلفاؤها، لأنها تحرجهم.

استغل مرسي فرصة هذه الأحداث، فأعلن في 22 نوفمبر إعلانه الدستوري هذه المرة، الذي وصفه معظم الكُتاب والسياسيين المصريين بأنه يعطيه صلاحيات “فرعون”، إذ يقول السيد ياسين (الأهرام) «بموجب هذا الإعلان نصَّب مرسي نفسه وبإرادته المنفردة حاكما مطلقا، احتكر كل السلطات التشريعية والتنفيذية، بل تجاسر بالإضافة إلى ذلك، ونسف صلاحيات السلطة القضائية، وقرر تحصين قراراته في الماضي والحاضر والمستقبل، كما قرر تحصين كل من مجلس الشورى واللجنة التأسيسية من الحل، وزاد على ذلك بمنع المحاكم، بمختلف درجاتها، من مواصلة نظر الدعاوى المرفوعة أمامها، والتي تتعلق بطلب حل كل من مجلس الشورى واللجنة التأسيسية، وكان من المقرر أن تنظر اللجنة الدستورية في أمر حل اللجنة التأسيسية.

فلم يكتفِ الإخوان بإصدار إعلانات مرسي، بل حشدوا فلولهم لدعم ومساندة قراراته، والأنكى من ذلك احتشدوا أمام المحكمة الدستورية ومنعوا القضاة من الوصول إلى المحكمة، ومنعها من ممارسة عملها، وهو تصرُّف تكرار لما حدث من منع المحكمة الإدارية قبل ذلك وتهديد القضاة.

في مواجهة هذه الإجراءات التي وصفت بأنها تسلط وتغول وتتسم بالنزعة الاستبدادية، تحرَّكت قوى المجتمع المدني، من كل الأحزاب والقوى الاجتماعية، في حراك احتجاجي في ميدان التحرير، ثم أمام قصر الاتحادية، مقر الرئاسة الجمهورية، وفي أماكن أخرى من القاهرة والإسكندرية والعديد من الأقاليم، تحددت مطالب جبهة الإنقاذ، وهي تحالف القوى والأحزاب خارج الإخوان وحلفائهم، تطالب بإلغاء إعلان مرسي الدستوري، ووصف مرسي بأنه الفرعون الجديد.

صياغة الدستور

على جبهة صياغة الدستور، طالبت قوى المعارضة بإعادة تشكيل لجنة وضع الدستور، واستبدالها بلجنة تمثل كل قوى وأطياف المجتمع، لوضع دستور متوافق عليه، فالدساتير لا تصيغها الأغلبية، وإنما لكونها وثيقة وعقد اجتماعي يجب أن تصاغ وتحظى بتوافق قوى المجتمع، إلا أن مرسي والإخوان مضوا باستعجال لتنفيذ مآربهم، فكانت ليلة ظلماء لاستكمال صياغة الدستور، فجرى ذلك الاجتماع، الذي امتد لأكثر من 16 ساعة، لتلفيق المصادقة على مسودة الدستور المختلف عليها.

فكانت جلسة مهزلة تجاوزت فيها أصول إدارة النقاش، وكأنهم في اجتماع «مجلس فريج»، وجرى فيها بالتعبير الذي أصبح دارجا سلق الدستور! جلسة تحدث فيها رئيس الجلسة ثلاثة أرباع الوقت، وخالفت إجراءاتها كل قواعد الأنظمة البرلمانية، وادخلت تعديلات على الدستور، من خلال مداخلات شفهية.

كل ذلك، لاستباق صدور قرار من المحكمة الدستورية قد يؤدي إلى حلها، وهو ما قامت به حشود الإخوان لمنع اجتماع المحكمة وإعاقة وصول القضاة إلى مقرها.

ولم تتوقف المسألة عند هذا الحد، بل طالب الإخوان وحفلاؤهم بتطهير القضاء، وتطهير الإعلام، والمقصود هو استبدال الموجودين بأفراد وأشخاص منهم أو من محازبين لهم، وقد بدأ شيء من ذلك القبيل بإقالة النائب العام واستبداله، والبدء بتعيين رؤساء تحرير الصحف من جماعتهم، ثم إغلاق قنوات فضائية، لأن بثها يزعجهم، وإلى جانب محاصرة المحكمة الدستورية، قام حلفاء الإخوان من حزب النور السلفي بمحاصرة المدينة الإعلامية والمطالبة بتطهيرها، أي إبعاد كل من يعارض أو لا يقف مع قرارات وتصرفات الإخوان.

اتساع المعارضة

لذلك، اتسعت المعارضة، وشملت الإعلاميين ومؤسسات القضاء والمحامين، ورفض نادي القضاة المشاركة في الإشراف على الاستفتاء، وكذلك مجاميع الادعاء القضائي.

إزاء ذلك، وفي مواجهة رفض القضاة، أصر مرسي والإخوان على المضي في الاستفتاء على مسودة الدستور، التي تم سلقها في ليلة واحدة.

موقف المعارضة

بعد اتساع مساحة المعارضة وحشودها المليونية في ميدان التحرير، وأمام قصر الاتحادية، مقر رئاسة الجمهورية، قدَّم مرسي اقتراحا بإجراء حوار واسع، يضم كل القوى السياسية والشباب والقيادات الاجتماعية، ورفضت المعارضة الدخول في الحوار، إلا بإلغاء الإعلان الدستوري.

وفي الوقت نفسه الذي ناشد فيه مرسي المعارضة للحوار، أطلق هو وقياديو جماعة الإخوان، بمن فيهم المرشد، حملة تشويه وأكاذيب تتهم المعارضة بأنها شريكة في مؤامرة تقف وراءها قوى داخلية وخارجية، وقال مرسي إن الأموال التي سُرقت في عهد مبارك توظف الآن لإسقاط الثورة والنظام الجديد، وتكررت هذه الاتهامات من مرشد الإخوان ومن صلاح عبدالمقصود وزير الإعلام ومن محمود غزلان، المتحدِّث الرسمي باسم جماعة الإخوان، ومن محمد البلتاجي، أمين حزب الحرية العدالة – حزب الإخوان.

يكيلون الاتهامات للمعارضة بالتآمر وبإحضار البلطجية والفلول، وانهم اكتشفوا مندسين بينهم بحوزتهم سلاح، وفي الوقت نفسه يطالبون المعارضة بالدخول في حوار انعقد من دون مشاركة المعارضة، وخرج بقرارات تثبت إعلان مرسي، فهي الغت الإعلان، وثبتت تحصين اللجنة التأسيسة بوضع الدستور ونتائج أعمالها.

فيما طالبت المعارضة بإلغاء الاستفتاء على الدستور الذي أعلن مرسي عن إجرائه في غضون 15 يوما من تسلمه مسودة مشروع الدستور من اللجنة التأسيسة التي حصنها إعلان مرسي.

إجراء الاستفتاء

الإصرار على إجراء الاستفتاء برره مرسي وجماعته، بأنه التزام بما قرره الإعلان الدستوري الذي أصدره العسكر، والذي ألغي كل شيء فيه، الا تحديد موعد الاستفتاء، وقد كتب الكثيرون وتساءلوا لماذا لم يؤجل موعد الاستفتاء؟ ولماذا لم يطبق تمديد مرسي للجنة التأسيسية مدة شهرين، إضافة للستة أشهر التي حددها الإعلان الدستوري الذي أصدره العسكر؟

لا يوجد جواب أو تبرير منطقي لهذا الأمر.

لقد غيَّر مرسي كل شيء، إلا موعد الاستفتاء على الدستور، ولا يوجد ما يحول دون ذلك في الاعلان الأصلي.

لم يكتفِ الإخوان ورئيسهم بكل ذلك، فخوفاً من أن تكون نتيجة الاستفتاء بـ «لا»، قاموا بكل أنواع المراوغة والتزوير التي فاقت كل ما كان يجري أيام مبارك.

أمام عزوف قطاع كبير من القضاة عن الإشراف على لجان الانتخابات، تم تقسيم الاستفتاء على مرحلتين، يفصل بينهما أسبوع، وهو ما يعيب إجراء الاستفتاء ويخالف قواعده.

ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بعمليات التزوير وإعاقة وصول الناخبين إلى لجان التصويت، استخدموا وسيلة الاصطفاف في طوابير الناخبين وتعطيلها، فضاق الناس بالوقوف في طوابير لا تتحرَّك، بسبب وقوف الإخوان بينهم، في حين أن غرف التصويت كانت فارغة.

ثم فوجئ الكثير من الناخبين بأن المشرفين على عملية التصويت ليسوا قضاة، ولا من الادعاء العام، بل أناس انتحلوا هذه الصفات، وبعضهم ليسوا حتى موظفين في الدولة، ما أثار الاستغرب، وأدَّى إلى تقديم الشكاوى والاعتراضات التي بلغت أكثر من أربعة آلاف طعن، وعلى الرغم من كل ذلك حصلت المعارضة على 44 في المائة من المصوتين ضد إقرار مسودة الدستور.

وكان الإقبال ضعيفا، لم يتجاوز 32 في المائة، مقارنة مع ما يتراوح بين 46 و51 في المائة في انتخابات الرئاسة، وفسر المحللون أن جزءا كبيراً من الغائبين هو بسبب الاحباط، وربما أيضا أن تغيير موقف المعارضة من المقاطعة إلى المشاركة برفض مسودة الدستور جاء في آخر يومين.

ومع ذلك، فإذا كان عدد المشاركين في التصويت هو 32 في المائة، ونسبة الموافقين 56 في المائة، فمعنى ذلك أن الموافقين على مسودة الدستور من إجمالي الناخبين هو في الحقيقة لا يتجاوز 17 في المائة، وهو ما يطرح التساؤل الكبير، هل حدث في تاريخ الأمم الديمقراطية أن أقرَّ دستور بموافقة 17 في المائة من الناخبين؟

حقا إنه سؤال ضخم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *