الرئيسية » إقتصاد » استمرار الإنفاق والهدر المالي ينذر ميزانية الدولة بمستقبل قاتم (1-2)

استمرار الإنفاق والهدر المالي ينذر ميزانية الدولة بمستقبل قاتم (1-2)

استمرار الهدر المالي على ما هو عليه يضع الكويت على بُعد خطوات من العجز المالي
استمرار الهدر المالي على ما هو عليه يضع الكويت على بُعد خطوات من العجز المالي

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لا يختلف اثنان على أن حُسن أداء الاقتصاد واستقراره، أحد الركائز المهمة لنهضة وتنمية الدول والمجتمعات، كما لا يختلف اثنان على أن حُسن إدارة أموال الدولة والحفاظ عليها وترشيد الإنفاق والقضاء على الهدر المالي، خصوصاً وقت الأزمات، من أهم أسس الإدارة الاقتصادية السليمة.

من هنا يأتي الاهتمام الكبير بالأوضاع الاقتصادية الحالية والمستقبلية، والاهتمام بما يتم إنفاقه من أموال، لذلك يعكف دائماً مَن بيدهم القرار في أي دولة في وقت الأزمات على دراسة كيفية تقليل أوجه الإنفاق، بما لا يؤثر بالسلب على المواطنين ومختلف مناحي الحياة، ووضع الخطط الإصلاحية التي تعمل على إنعاش الاقتصاد وازدهاره، والبعد عن أي قرارات قد تحقق مكاسب آنية، ولكنها تتسبب في إحداث طوفان من الآثار السلبية في المستقبل.

أما في الكويت، فالوضع مختلف تماماً، فنحن في جميع الأزمات التي مرَّت على اقتصادنا، سواء أكانت نابعة من الداخل أم ناتجة من تأثير أزمات اقتصادية خارجية (مثل الأزمة المالية العالمية وأزمة تراجع النفط الأخيرة)، فإن قراراتنا تكون ذات تأثير سلبي على الاقتصاد وانتعاشه، وذات تأثير سلبي أيضا على المواطن، فمنذ بداية أزمة تراجع أسعار النفط التي بدأت بوادرها منذ منتصف العام الماضي وجميع القرارات التي تتخذها الحكومة ذات تأثير سلبي على المواطن والاقتصاد، وليس أدلّ على ذلك من قرار رفع أسعار الديزل والقرارات التي تبحث الحكومة تطبيقها خلال الفترة المقبلة، والخاصة برفع وتقليل الدعم عن كثير من السلع والخدمات التي تقدم للمواطن، وهذا كله سيحمّل المواطنين أعباء مالية لا طاقة لهم بها.

قرارات ذات تأثير سلبي

ومن القرارات التي سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد، أيضا، الإبقاء على حجم الإنفاق الجاري، كما هو، وتقليل حجم الإنفاق الرأسمالي.. فبدلاً من أن تقوم الحكومة بتقليل حجم الإنفاق الجاري على المرتبات والأجور ومصاريف الوزارات والهيئات المختلفة، وزيادة حجم الإنفاق الرأسمالي على المشاريع في مختلف القطاعات لزيادة النمو الاقتصادي، وإيجاد مصادر دخل جديدة تخرج البلاد من مشكلة أحادية الدخل التي تعيشها منذ قرون، وتخلق فرص عمل جديدة للشباب، نجد الحكومة تفعل العكس تماماً، بزيادة الإنفاق الجاري، وتقليل الإنفاق الرأسمالي.. أليس هذا أمراً غريباً؟

فمنذ شهور، وتحديداً منذ تراجع أسعار النفط إلى هذه المستويات المتدنية والحكومة ووزارة المالية تؤكدان كل يوم أنها وضعتا الخطط لتقليص حجم الإنفاق والهدر في وزارات وهيئات الدولة المختلفة، وها هي التقارير تؤكد نقيض ما تقوله الحكومة، حيث أكدت تقارير اقتصادية زيادة معدلات الإنفاق الحكومي، على الرغم من التراجع الكبير لأسعار النفط الذي يهدد بحدوث عجز في الميزانية العامة للدولة.

زيادة الإنفاق الحكومي

وفق تقرير حديث صدر الأسبوع الماضي عن وحدة الأبحاث ببنك الكويت الوطني، فإن الإنفاق الحكومي (الجاري والرأسمالي) ارتفع خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2015/2014، بواقع 12.6 في المائة على أساس سنوي، ليبلغ 11.9 مليار دينار حتى شهر يناير، كان النصيب الأكبر منها للإنفاق الجاري، وذلك على الرغم من استمرار الإيرادات في التراجع بشكل كبير، بسبب تراجع أسعار النفط.

كما ارتفع الإنفاق الجاري حتى شهر يناير الماضي بواقع 11.2 في المائة، ليصل إلى 10.8 مليارات دينار، فقد ارتفعت المدفوعات التحويلية والمتنوعة، التي تشمل الأجور ورواتب العسكريين والمدفوعات التحويلية لصندوق التأمينات الاجتماعية بواقع 8.9 في المائة، لتصل إلى 5.7 مليارات دينار خلال الأشهر العشرة الأولى، وسجل الإنفاق على الأجور والرواتب نمواً بواقع 6.7 في المائة، ليصل إلى 3 مليارات دينار، فيما ارتفع الإنفاق على السلع والخدمات بنسبة 26 في المائة، ليصل إلى 2.1 مليار دينار، في حين كان نصيب المصروفات الرأسمالية (الإنفاق الاستثماري على تنفيذ المشاريع التنموية) 1.1 مليار دينار فقط من إجمالي الـ 11.9 مليار دينار التي تم إنفاقها خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية.

تراجع الإيرادات

واستمرت الإيرادات الحكومية في التراجع حتى شهر يناير، فقد تراجعت الإيرادات الإجمالية للدولة بواقع 16 في المائة، لتصل إلى 22.4 مليار دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية، في حين تراجعت الإيرادات النفطية بواقع 17.3 في المائة على أساس سنوي، نتيجة تراجع أسعار النفط وتراجع مستويات الإنتاج في الوقت ذاته، وبلغ متوسط سعر خام التصدير الكويتي 88 دولاراً للبرميل في الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية، متراجعاً بواقع 14 في المائة عن الفترة ذاتها من السنة الماضية، فيما تراجع الإنتاج بواقع 3 في المائة، ليصل إلى 2.86 مليون برميل يومياً في المتوسط.

ووفق التقرير، فإن الفائض في الميزاينة خلال الأشهر العشرة الأولى بلغ 10.4 مليارات دينار، متراجعاً عن مستواه خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، والذي بلغ 16 مليار دينار، ومن المتوقع أن يبلغ الفائض لكامل السنة المالية 2015/2014 المنتهية في نهاية مارس الجاري نحو 4.1 مليارات دينار، أي ما نسبته 8.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأقل منذ 6 سنوات.

مستقبل مجهول

ووفقاً لهذه الأرقام التي تؤكد أن الحكومة لا تبالي بتراجع أسعار النفط وتراجع إيرادات الدولة، وتستمر في الإنفاق على نفس معدلات الإنفاق التي كانت في وقت أسعار النفط المرتفعة، فإن ميزانية الدولة سيكون مستقبلها القادم قاتما، إذا استمر نمط الإنفاق الحكومي على ما هو عليه.

إن الأمر يحتاج وبشدة إلى مراجعة وترشيد كبير في الميزانية العامة وبنودها الانفاقية المثقلة بأعباء مالية كبيرة للوزارات والهيئات المختلفة، وعلى الحكومة أن تأخذ بالتحذيرات المستمرة من مخاطر استمرار الإسراف في الانفاق الجاري، والنقص في الإنفاق الرأسمالي، وعليها كذلك الأخذ بالتحذيرات التي تحذر من تبعات الاعتماد الكلي على النفط، الذي لا يوجد إيراد غيره، ولا مصدر غيره، إن نضب، والذي أصبحنا نستنزف 95 في المائة من إيراداته في إنفاق جارٍ على الرواتب والهدر في الوزارات.

والمؤكد أن وضع الإنفاق الحكومي، إذا ظل على ما هو عليه، وظلت الإيرادات النفطية في التراجع، فإن العجز المالي سيتحقق لا محالة، وحينها سيكون تمويل هذا العجز من الاحتياطي العام للدولة، وحينها سنكون «نأكل من اللحم الحي»، أي أن الإنفاق من مستقبل البلاد المالي على الوجاهة والاستقبالات والاحتفالات في الوزارات والهيئات سيقودنا إلى كارثة، فملايين الدنانير تصرف على هذه البنود سنوياً، من دون رقيب أو حسيب، ومليارات الدنانير تهدر في الجهات الحكومية سنوياً وتقارير ديوان عام المحاسبة أكدت هذا الأمر في أكثر من موضع.

وضع خطير

على الرغم من علم السلطتين (الحكومة والمجلس) بالوضع المالي المقلق للدولة، والتبذير الذي يهدد بتقويض دولة الرفاه، فإنه لم يتحرَّك أحد لوقف العبث والاستنزاف من المال العام، سواء الاستنزاف المستمر الحاصل في الجهات الحكومية، أو استنزاف مليارات الدنانير على مشاريع باءت بالفشل أو لم ترَ النور حتى الآن، أو على تنمية وهمية ومناقصات ترتفع أرقامها بما يزيد على ثلاثة أو أربعة أضعاف مثيلاتها في الدول الأخرى.

إن الأمر المؤكد أن البلاد سوف تتعرَّض مستقبلاً لمخاطر مالية جسيمة في حال عدم البدء، وبشكل عاجل بمعالجة أوضاعنا المالية غير السليمة حالياً، وعلى الحكومة أن تستمع للنداءات والصيحات، التي تحاول الإصلاح من وضعنا المالي، فمراجعة الوضع الاقتصادي للبلاد وحماية مستقبل الأجيال القادمة، وتصحيح المعادلة في بنود الموازنة العامة بين الإيراد والإنفاق أصبح أمراً ضرورياً وحتمياً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *