الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي: المقدس والمدنس

حبيب السنافي: المقدس والمدنس

حبيب السنافي
حبيب السنافي

المقدس، مفهوم تاريخي موغل بقدم الأديان، خامر الأفكار الدينية بتقديس الآلهة المنظورة وغير المنظورة، فهناك المقدسات من نهر وجبل ووادي وكواكب وحيوانات، مروراً بالأزمنة والأمكنة المقدسة، فضلاً عن الكتب والشخصيات المقدسة والمبجلة بنحوٍ مبالغ فيه.

مفردة المقدس، تعني المبارك والمطهر، هذا هو تفسيرها، ولا تعني المنزه عن سهام النقد الأدبي أو واجب الغلو في المدافعة عنه.
سُكّن مفهوم المقدس ومستلزماته بصيغة بشرية وبمزاج فقهي، وألحق بعقوبات حال انتهاكه أرفقت بالنصوص، لتغدو جزءاً فاعلاً من شروط الإيمان يحرم انتهاكها ويكفر ويعاقب معاندها بقساوة، وارتبط ذلك بخطة ناجعة لفصل الضمير الحي عن التفكير السليم والمنطق المستقيم، ومقاربة قصوى من المقدس متعدد الأوجه للأفكار الدينية المراد تسويقها وإضفاء المهابة والإجلال عليها.

يستفسر البعض؛ هل إضفاء القدسية من حقوق الآلهة الطبيعية، أم من حقوق الأحبار والرهبان والفقهاء التي ينسبونها للآلهة حقاً ونصيبهم منها تشريعاً وتطبيقاً وتبريراً لممارساتهم ومقولاتهم وأحكامهم الصادرة؟
تميَّز تاريخ المقدس بارتباطه بالحكم، وأولوية الحكم للمقدس، من آلهة وشخوص، فصاحب الحكم مقدسة صفته ومكانته، مصانة حصانته من النقد والتعرض.
وقد حظي الحاكم بالقدسية والامتيازات، لأنه حاكم، وقد تقنن الامتيازات لكل ما هو مقدس ومنزه.

إيحاء القدسية هي مماهاة للحصانة التي تمنح راهناً للسياسيين والحكام الفاسدين، لكنها هنا حصانة إلهية منحها الفقهاء لأنفسهم ولمن يرغبون بالتستر عليه من انتهاكات وحشية أو ما يبتغون تمريره من أحكام وفرضه من عبادات.

توثقت العلاقة الحميمة بين الأسطورة والمقدس، فالشخوص المقدسة بالأسطورة تُخضع الطبيعة الصماء لجبروتها ومشيئتها، وتبادلها (الطبيعة)، تأثراً بنفسياتها وعواطفها بمبالغة وتضخيم وتجاوز لقوانين ميكانيكية يصعب إنكارها وإغفالها.

القداسة لم تكن يوماً حالة موضوعية مستقلة، إنما من الجلي أنها حالة وجدانية ذاتية وجماعية، وإن لم تكن مهيئاً للتلبس بالقداسة، فلن تعتنقها، إيمانياً أو تبررها منطقيا.

المقدس عند الفقهاء مطهر من الدنس، أي مما يشينه، من نقد أو منقصة أو مثلبة، والتطهير ركن للحفاظ على نقاوته، وذاك – التطهير- يتحقق بالتدمير وإفناء المعاند، أو بتوبته من الدنس لديمومة وهج «الحصانة المقدسة»، ولكي لا يكشف التدليس والخرافة فيها، تحصيناً لها من زعزعة مقامها وتأثيرها على مؤمنيها البسطاء.

لائحة المقدسات تجمَّدت وتضاءلت عند الشعوب المتمدنة، أما عندنا، في الدول الإسلامية، فالقائمة تتمدد وتتنوَّع ببركة فتاوى الدعاة والمتدينين، لتتخم بالمزيد من المقدس والمدنس، وليضيق فضاء حرية العقيدة والفكر والرأي بالمزيد من الترهات والخزعبلات التي لا يبدو لها أي قرار قريب.

دلالة حديثنا السابق، قيام عصابة «داعش» بتطهير الأرض المقدَّسة من رجس وشرك تماثيل فنية تاريخية لا علاقة لها بالدين، تماثيل ونقوش وقلاع وبيوت وجداريات وبوابات لمدينة نمرود الأثرية، ومدينة الحضر الأثرية. فكرة المقدس والمدنس التي تم حشوها في رؤوس «المغول الجدد» من قبل جهلة يطلق عليهم عرفاً «علماء»، تم تفعيلها على الواقع، لتصاب ادعاءاتنا بالإنسانية وحقوقها بمقتل، ولا عزاء لنا

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. الاستاذ العزيز ، كأني بك تتحامل على الاسلام بسبب خطايا معتنقيه ؛ وأني لآمل فيك الشجاعة الادبية ؛ فهل انت تضيق ذرعاً بالدين ، و تجعل مسوغك ما يصنعه المسلمون اليوم . حتى لا يظهر نفورك من الدين و بالتالي لاتنفر الناس من مقالاتك ، و تخسر يراعك الصحفي ؟!!!

    اني ارجوك ان تتماسك بقدر من تلك الجرأة المعنوية … فتعلنها لنا جهرةً !

    كونك من المنبر الديمقراطي يضاعف اللوم عليك … لأنكم ثكلى بالسياسة الخليجية … ملئ حتى النخاع ؛ من اتى بالتكفير هم علماء نجد الحنابلة السلفيين ، الذين يتغنون بفتاوى إمام الفرقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب … داعش و غيرهم ؛ وأما الحشد الشعبي ، اصحاب مذهبك ياعزيزي ، و الذين يستدفئون بحرق الآدميين … فهم اتباع علماء قم من الامامية الاثنى عشرية . و كلا الفريقين محميون بأنظمة حكم اقوى دولتين في الخليج !
    فأي ذنب للإسلام أن كانت زمرة الحكام يستمدون شرعيتهم من هؤلاء الغلاة السنة و الشيعة، و لو انك لاتذكر شنائع الحشد الشعبي في العراق …
    و بالمقابل يوفر اؤلئك الطغاة لهؤلاء العلماء البغاة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *