الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : أيّ هوية نريد؟

حبيب السنافي : أيّ هوية نريد؟

حبيب السنافي
حبيب السنافي

هل لنا كمجتمع عربي هوية ثابتة ومحددة يمكن مقاربتها أو تمييزها عن الهويات الاجتماعية لبقية المجتمعات القريبة والبعيدة؟ وهذه الهوية، هل هي من إبداعنا ومبادراتنا، أم نهج درجنا عليه بالمتوارث والمتقادم من سلوك وصفات وثوابت وأفكار ومعتقدات تخلَّى أجدادنا عما قبلها، والتزموا بها، فكان لهم حق التغيير، أما نحن، فلبسنا الأثواب البالية، ولم نتجاسر على الاستغناء عنها، حينما تخلَّى الشرق من جهتنا وغربه عن هوياته المتوارثة والرثة، ليسلك طريقه بهوياته الأكثر إنسانية؟

أما نحن، فهوياتنا ملتبسة، ضبابية، لم نبحث في أصالة مقوماتها، ولم نجرؤ على تطويرها وتشذيبها، تشبثنا بهوية تاريخية مشوهة، لا نعي لزومية تقليمها، لأننا نخشى التجديد، ونهاب الجديد، ونعتقد أن الهويات الغريبة عنا تريد مسخ هويتنا، وتتحدى وجودنا، فتدرعنا بهوية وحتى هويات متماهية، ما بين عروبية وقومية وإسلامية.. خليط لم نستفد منه حتماً، إما لأننا لم نعِ مفرداته، وإما لأننا استوردنا هوياتنا المتناثرة من الشرق والغرب، ومن الزمن الغابر، ومن الحاضر الذي لم نسهم أو نشارك برسم ملامحه ومبادئه.

تاهت بين أيدينا المبادئ والقيم والنزعة الإنسانية، واستعصى علينا تطبيق القوانين الوضعية وأنظمة الحكم الديمقراطية، لإرساء معايير اجتماعية وأنظمة سياسية تدشن لنسيج اجتماعي له هوية تمايزه عن المجتمعات الأخرى، لكن كمجتمع يرقى بإحساس اجتماعي أخلاقي يدنيه من الآخر ويصاحبه، لا أن يبغضه ويعاديه.

الهويات، بكل تلاوينها وتسمياتها، ابتكارات ونظريات بشرية، القصد من اختراعها المواجهة والصراع مع الآخر، وأحياناً أيضاً كان الصراع مع الآخر من أجلها، أي هي العلة والمعلول من أجله، أي بتعبير آخر، الهوية سبب الصراع والصراع من أجل الهوية.

 هوية الفرد وهوية المجتمع تتشكل كل منها متأثرة بالأحداث والوقائع والأثر الاجتماعي والاقتصادي والنفسي المرادف لها، والهويات الجماعية الحتمية التاريخية تؤكد تأثرها وحتى تبدلها، نتيجة ما يُستجد من أفكار وآراء واكتشافات تطور التصورات الذهنية حول مسائل العقيدة والصراع الاجتماعي والاقتصادي.

نحن نرغب بتعدد الهويات وتمازجها وتفاعلها، لكن الاستشكال يكمن في رفض وعصيان بعض الهويات على القبول والمراوحة مع الهويات الأخرى، ما يحتم نشوب الخصام والصراع، وهذا ما لا يمكن أن تخطئه ملاحظته بسواد مجتمعاتنا السلفية الهوية، وتحزبها في مواجهة الآخر، وكأن المطلوب منه لبس السواد وتقلد سيف الثأر، حتى خاتمة عمره.

مسائل الهوية وامتداداتها شائكة ومتشعبة، لم تحل ولن تحل في المنظور الزمني القريب، لأن الإجابة عنها تعني أن الصراع الإنساني أُعلن قبره، وهذا ما لن يؤخره التاريخ.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *