الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : التمييز ضد الغير

أحمد الجاسم : التمييز ضد الغير

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

كل يوم نُفجع بجريمة جديدة ترتكبها قوى «الظلام والإجرام» بحق الأبرياء، تستهدف التنوُّع الديني والمذهبي في العالم العربي.. كان آخرها الهجوم على القرى المسيحية في شمال شرق سوريا، واختطاف الآشوريين، وقبلها الأقباط الذين ذُبحوا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، الذي صار أحمر، من دماء الأبرياء العمال المصريين المختطفين، الذين جُزت رقابهم ظلماً، وعدواناً، ثأراً مما سموه «اضطهاد» الأقباط في مصر للمسلمات المحتجزات في الأديرة بعد إعلان إسلامهن!

ومع أن الجريمة مدانة ومستنكرة، وقد أعلنت مصر الحداد على أرواح الضحايا سبعة أيام، إلا أن مَن يتابع الشأن الاجتماعي في مصر يلمس حجم التباعد والتخاصم والتكاره بين بعض المسلمين والأقباط، خصوصاً في ظل تصاعد التيار الديني السلفي، الذي ينبز الأقباط دائماً بأنهم «أهل ذمة»، وليسوا مواطنين، بالإضافة إلى مشاكل أخرى، كقضية التحول العقائدي بين الطرفين، والزواج المدني، فعادة ما تنشب نزاعات، بسبب تلك القضايا، إضافة إلى التشكيك بولائهم لمصر، وهناك توصيات من بعض الدعاة، بعدم إظهار البشاشة والمودة في لقائهم، أو حتى تهنئتهم بأعيادهم، وقد طالب أحد قيادات «الإخوان المسلمين»، وهو مصطفى مشهور، بأن يُمنعوا من دخول الجيش، وتُفرض عليهم الجزية، بدلاً من الخدمة العسكرية في جيش الدولة الإسلامية (أبوزيد، دوائر الخوف، ص١٧٢).

فقد لا يعرف مرشد «الجماعة» الراحل، أن جناح الميمنة في جيش القائد صلاح الدين الأيوبي، الذاهب لتحرير القدس من قبضة الفرنجة «الصليبيين»، كانوا من المقاتلين المسيحيين العرب المشارقة، وأن عيسى العوام، المسيحي، كان ذراعه الأيمن، وأن أول مَن احتضن المسلمين بعدما عُذبوا، وطُردوا من ديارهم، هو الملك العادل النجاشي، النصراني، ملك الحبشة.. فهل هذا جزاء الإحسان؟

(وللإنصاف، فإن هناك رأياً مغايراً من المدرسة نفسها يمثله الكاتب فهمي هويدي، يَعتبر فيه أن الجزية ممارسة تاريخية معترف بها في العصور القديمة، وهي لا تلزم المسلمين اليوم).

إن استهداف الأقباط أو «الأقليات» في الوطن العربي وتهجيرها، هو جزء من الهجمة الاستعمارية الصهيونية على منطقتنا، فالاحتلال الإسرائيلي هو أول مَن هجَّر المسيحيين العرب والمسلمين من فلسطين، وأمس قامت عصابة «تدفيع الثمن» الصهيونية بحرق كنيسة في القدس، وكذلك عمل الاحتلال الأمبركي في العراق، عبر إشاعته الفوضى والفتنة والخراب إلى تهجير الأيزد والصابئة والمسيحيين و.. من وطنهم، وما الاحتراب الأهلي، الذي نعيشه في الوطن العربي، وتدمير المكتبات والمتاحف والمقامات الروحية والآثار العظيمة وسرقتها، إلا جزء من هذا المخطط الشرير، ولكن بأدوات «إسلامية» هذه المرة.

فالظرف حساس جداً، ويحتاج إلى المكاشفة والمصارحة والمعالجة، فحين ننتقد الكيان الصهيوني، لعنصريته المفرطة، فعلينا كذلك أن نتخلص من عنصريتنا، حتى تتوحد صفوفنا في مواجهة الأعداء، فحتماً «داعش» وأخواتها من قِوى الظلام والهمجية لم تنزل علينا من السماء فجأة، فهي نتاج واقع اجتماعي، وسياسي واقتصادي مأساوي وثقافي منحط، وهي تستقي توحشها من ينابيع إسلامية ذات طابع متطرف ومتشدد، ترفض العقلانية والمنطق والتعايش مع الآخر المخالف، وحقه في ممارسة عبادته، وحقه في المواطنة، والمساواة في الحقوق، والواجبات، وضد الإنسانية، فمن يقرأ التراث الإسلامي يجد فيه تلك الجذور، التي تتغذى منها هذه التنظيمات، فهناك أقوال منسوبة للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، تتنافى مع أخلاقه الكريمة، وسيرته العطرة، لكنها موجودة في بطون الكتب وفي أدبيات «الإسلاميين»، مثل: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (رواه أبو داود)، و«لا تبدأوا اليهود والنصارى، إذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه» (رواه مسلم)، وهناك قول يُنسب للأحناف «مَن أهدى لمجوسي بيضة في يوم النيروز فقد كفر».

ومع أن حضارتنا العربية – الإسلامية كانت أكثر انفتاحاً من هؤلاء الجهلة والحمقى، وقد عاش في كنفها اليهود والنصارى والصابئة و..، آمنين في صوامعهم وكنائسهم، وإن كانت هناك أوقات عصيبة عاشها غير المسلمين في عهد المتوكل العباسي وعمر بن عبدالعزيز والحاكم بأمر الله الفاطمي، وفي ظل الدولة العثمانية، أيضاً، عملاً بمقتضى العهدة «العمرية» في معاملة غير المسلمين، ومن هذه الشروط المجحفة بحق نصارى الشام «ألا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم، إذا أرادوا الجلوس، وألا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً، ولا يتقلدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليباً…» (تفسير ابن كثير، ج٤، ص١٤٦)، وهي الوثيقة نفسها، التي فرضتها «داعش» على أهالي الرقة والموصل، وما يُثير الشك حول هذه الوثيقة المنسوبة لعمر، لدى الباحث الراحل جمال البنا في كتابه المهم «لا للبراء، نعم للولاء» الآتي:

– أنها تخالف سياسة الخليفة العادل عمر، وطبيعته، وهو الذي أمر الشاكي القبطي بأن يجلد ابن عمرو بن العاص عندما اعتدى عليه بحجة أنه «ابن الأكرمين».
– أن عُمر نفسه هو الذي أعطى نصارى الشام الأمان على حياتهم وأموالهم وكنائسهم عندما دخل مدينة القدس، بعد معركة اليرموك، بوثيقته العمرية المشهورة، لا المزورة، بل ورفض حتى الصلاة في كنيسة القيامة عندما دعاه البطريرك صفر نيوس، حتى لا يأتي من بعده المسلمون ويطالبون بها.
– أن علاقة النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين الطيبة مع نصارى نجران تتناقض مع هذه العهدة المزعومة.
– أن القرآن الكريم يصدح بالدعوة إلى التآخي والتسامح بين البشر وعدم الاعتداء على المسالمين، في قوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» (سورة الممتحنة، 8)، والآية واضحة في أن الاختلاف بين البشر في الدين لا يُبرر القتال والعداوة، بل يدعو إلى الإحسان والبر، والعدل، ما لم يبدأ الآخر بالاعتداء!
– أنها – أعني العهدة – لم ترد في تفسير الإمام الطبري للقرآن الكريم، وهو شيخ المفسرين، وعمدة المؤرخين، والمتقدم على ابن كثير راوي العهدة، بقرون عديدة.
– يبدو أن العهدة المزورة كانت نتيجة لظروف اضطربت بها العلاقة بين الحاكم المسلم ورعيته من غير المسلمين، في عصور متأخرة، فيتم اختلاقها بين فترة وأخرى، لتبرير قمعهم.

خلاصة القول، إن الجزية كانت بمثابة الضريبة، التي تُفرض على غير المسلم، لحمايته، وهي أشبه بالبدل العسكري الذي يدفعه اليوم مَن لا يرغب في الخدمة في جيش الدولة في بعض الدول العربية.

لا يمكن اليوم لمن يُريد أن يبني دولة حديثة ومدنية أن يعود لتلك المفاهيم التاريخية، كالجزية وأهل الذمة، فالمواطنة حق للجميع، من دون تمييز بين أفراد المجتمع على أساس الدين أو المذهب أو القومية، مع الحفاظ على هوية مجتمعنا العربي، في شقيها العروبي والإسلامي، واحترام الهويات الأخرى، بعيداً عن منطق الأكثرية والأقلية الذي يوحي بطغيان فريق على آخر.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. إفراد جماعة الاخوان المسلمين و تعصيب الجناية بهم فيما يخص موقف الجماعات الدعوية و لا اقول الاسلامية ، وإلّا فأين موقع باقي المسلمين ….. من الاقباط بمصر ، و بشهادة خصم لدود لهم … ليس من الموضوعية في شئ ؛ و اكثر ما ينم به مثل هذا الطرح انما هو البعد الشخصي الذي تدفع
    نحوه الامراض النفسية الاجتماعية … من بغضاء ، و حب التشفي و لو على حساب الحقيقة .
    لذلك ، و مع مزيد الاسف ، لا تساوي المقالة و لو اليسير من ثمن الحبر الذي كتبت به . لِمٓ لا يكون المرء على قدر من الصراحة و يعلنها إني اكرهكم لأني لا اطيق التقيد بالوازع الخُلُقي ، اريد ان اعبث كيف اشاء ! وتنتهي القصة ، بدلاً من تطويل ذيول البحث بمبررات باردة الايراد و الاستشهاد ؛
    هذا … و نقطة على السطر ، كما يتمثل الغربيون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *