الرئيسية » عربي ودولي » المجلس المركزي الفلسطيني.. هل يكسر جرة التنسيق الأمني؟

المجلس المركزي الفلسطيني.. هل يكسر جرة التنسيق الأمني؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في قمة عربية سابقة في الكويت
الرئيس الفلسطيني محمود عباس في قمة عربية سابقة في الكويت

كتب محرر الشؤون العربية:
بصدور المرسوم الرئاسي، الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أخيرا، بتشكيل لجنة وطنية عليا للمتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية، تؤكد السلطة الفلسطينية مضيها للانضمام إلى المؤسسات الدولية، على الرغم من المعارضة الأميركية والإسرائيلية، وسلسلة الابتزازات الإسرائيلية التي تجلت أخيرا باحتجاز أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة، على أن يكون ملف الاستيطان الإسرائيلي ضمن الملفات المقدَّمة للمحكمة، وعلى أن تبحث القيادة الفلسطينية قريبا شكل العلاقة مع إسرائيل، بما فيها التنسيق الأمني.

خطوة تصعيدية

إسرائيل من جانبها، ردَّت على قرار الفلسطينيين الانضمام إلى عدد من المنظمات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، بعدم تحويل عائدات الضرائب التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية على البضائع التي تمر عبرها إلى السوق الفلسطينية، بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، وأدَّى احتجاز هذه الأموال، التي تشكل ثلثي دخل السلطة الفلسطينية، إلى عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه 160 ألف موظف يعملون لديها في القطاعين المدني والعسكري، ودفعت لهم فقط 60 في المائة من مستحقاتهم عن شهر ديسمبر الماضي، ولم تحدد موعدا بعد لدفع راتب شهر يناير، أو النسبة التي ستدفعها منه.

هذا في وقت اعتبرت الولايات المتحدة أن «الخطوة التي أقدم عليها الفلسطينيون تثير قلقا عميقا، ولا تساعد جهود السلام في المنطقة». وقال جيف راتكي، مدير العلاقات الصحافية في الخارجية الأميركية، في بيان «نحن مستاؤون بشدة من تحرك الفلسطينيين المتعلق بمحكمة الجنايات الدولية»، واصفا الخطوة بأنها «تصعيدية، لن تستطيع تحقيق أي من النتائج التي طمح معظم الفلسطينيين إلى أن يروها تتحقق في سبيل شعبهم»، مشيراً إلى أن «جميع الأطراف بحاجة إلى إيجاد طريقة للعمل بشكل بنَّاء، وبالتعاون مع بعضها، لتخفيف التوتر ونبذ العنف وإيجاد طريق للتقدم».

ووصف توقيع ميثاق الانضمام إلى المنظمة الدولية بأنه «حركة غير بناءة على الإطلاق، ولن تقدم شيئاً على طريق تحقيق آمال الفلسطينيين في دولة ذات سيادة واستقلال، وأنها تضر بشكل بالغ بالشعب الذي يحتاج إلى السلام في نهاية المطاف»، مؤكدا أن الولايات المتحدة «تستمر بمعارضتها بشدة لقيام الطرفين بما يقوض الثقة ويخلق الشكوك عن التزامهما بالتفاوض على السلام»، مبيناً أن «هذه الخطوات تزيد التباعد بين الأطراف».

تخفيف الاحتقان

على الرغم من تلك المواقف، فمن الواضح أن التوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن، ومن ثم إلى المنظمات الدولية، يجيء على خلفية التجاهل الإقليمي والدولي للقضية الفلسطينية، في ظل الانشغال بالأوضاع الداخلية لعدد من البلدان العربية، ومحاولات رتق العلاقات الإقليمية والدولية، على حساب قضايا الشعوب وأمنها واستقرارها في بلدان انتقلت إلى ضفاف من الفوضى والصراعات المتداخلة.

وقد بات الأمر يتحدد على قاعدة التساؤل عما يريد الغرب وإسرائيل من الفلسطينيين، وليس حول ما يريد الفلسطينيون من العالم؟ وتلك ذروة جديدة من ذرى المظلومية التي تحيق ليس بالفلسطينيين وحدهم، بل وبشعوب باتت تعيش ظروفا أقسى، في ظل سلطات استبداد تتغوَّل، على وقع التجاهل الأممي والإقليمي، لظروفها وأوضاعها غير المستقرة، بفعل السياسات التسلطية والقمعية التي لا ترحم.

في هذا السياق، ذكر أن الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالرئيس محمود عباس، لبحث جدول أعمال المجلس المركزي لمنظمة التحرير، كانت سبقته اتصالات عدة من مسؤولين عرب وغربيين، هدفت في مجملها إلى تخفيف حدة القرارات السياسية، التي ستصدر عن المجلس، وخاصة أنه سيناقش وقف «التنسيق الأمني»، وإلغاء الاتفاقيات الاقتصادية مع إسرائيل، في ظل التعنت الإسرائيلي، في الوقت الذي تطالب فصائل رئيسة في المنظمة بـ «إلغاء اتفاق أوسلو»، والدخول في مواجهة مع الاحتلال.

اتصالات عربية

وكان مسؤولون عرب بحثوا في أوقات سابقة مع الرئيس عباس، الملف السياسي بشكل عام، ودعوه لعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية في المرحلة المقبلة، بوصفها «مرحلة حساسة» تخشى هذه الدول إضافة إلى الإدارة الأميركية، أن يستغلها اليمين الإسرائيلي في تحقيق مكاسب سياسية، في الانتخابات المقبلة، وخاصة في ظل تخوُّف واشنطن من عودة فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة، وتشكيل الحكومة الجديدة.

جميع هذ الاتصالات ركزت على برنامج المجلس المركزي الفلسطيني، الذي سيبدأ اجتماعاته يوم الأربعاء (اليوم)، والخطوات السياسية التي من المحتمل أن تصدر عنه، أو يقوم بدعمها، وخاصة أن الجميع لا يريد أن تتدهور الأمور أكثر مما هي عليه الآن، في ظل تهديدات السلطة المتكررة بفك ارتباطها الاقتصادي بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، إلى حد الحديث عن خطوة بدت وتبدو مستعصية ومستحيلة، تتعلق بحل السلطة وتسليم مفاتيحها للاحتلال.

وسيناقش المجلس المركزي وفق جدول الأعمال الذي وزع على الأعضاء 13 بندا، أولها تقديم الرئيس عباس في كلمته، تقرير اللجنة التنفيذية، إضافة إلى بحث ملف التحرك السياسي، وسبل مواجهة السياسة الإسرائيلية الاستيطانية في الضفة، وبحث ملف معيقات إعمار غزة، وتفعيل المقاومة الشعبية.

كذلك، سيناقش المجلس أهم نقطتين، وهما تحديد العلاقة مع إسرائيل، في ضوء التطورات الراهنة، بما في ذلك وقف «التنسيق الأمني»، إضافة إلى مراجعة العلاقات الاقتصادية في ضوء مصادرة أموال الضرائب الفلسطينية. وسيبحث كذلك ملف الأسرى، ووضع اللاجئين في سوريا ولبنان، وتفعيل المجلس المركزي نفسه.

ابتزاز السلطة

في كل الأحوال، تبدو هذه الخطوة الفلسطينية، وخطوات أخرى مماثلة، محاولة أخرى من محاولات التفلت من «ضوابط» العلاقة الملزمة مع الاحتلال، وفق اتفاق أوسلو، وذلك على حساب العلاقة التي ينبغي أن تكون أكثر من ملزمة، مع حركة الشعب الوطنية، ولكن طالما أن سياسة الابتزاز، (ابتزاز السلطة)، هي الموقف المضاد ليس من قِبل إسرائيل وحدها، بل ومن جانب الولايات المتحدة كذلك، التي تلعب دورا رئيسا في تمويل ميزانية السلطة، وعبر ذلك يمكنها، وبالتشارك الموضوعي مع الاحتلال، الضغط على السلطة وعلى المؤسسات التي تتوجه إليها، لتبدو كالمستجير من الرمضاء بالنار. ومهما يكن التوجه للمؤسسات الدولية، فهذا ما لا يغني ولا يسمن، ولا يمكنه أن يشكل بديلا عن تصليب وتماسك وإنقاذ الحركة الوطنية الفلسطينية من انقساماتها وخلافاتها الداخلية، لا عبر التأكيد على مسار السلطة ونهجها، بل عبر التأكيد على أن المرجعية الأهم هي المنظمة (منظمة التحرير) كحركة تحرر وطني لم تنجز أهدافها بعد، فهل يجرؤ المجلس المركزي على كسر جرة التنسيق الأمني، أم يعاود كما في المرات السابقة، ترسيم العلاقة مع الاحتلال، وكأن شيئا لم يكن؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *