الرئيسية » ثقافة » كتاب «خلافة داعش» لهيثم مناع: إضاءة على نشأة التنظيم وامتداده.. والمستقبل الملتبس

كتاب «خلافة داعش» لهيثم مناع: إضاءة على نشأة التنظيم وامتداده.. والمستقبل الملتبس

• غلاف الكتاب
• غلاف الكتاب

محمد الغربللي:
يتابع العالم الأحداث التي تجري في أكثر من قطر عربي، وتمتد اتساعاً في عمليات القتل الهمجية والمتوحشة التي ترتكبها التيارات الإسلامية المتشددة، داعش، النصرة.. وتتسع أكثر، لتشمل أكثر من بلد، كباكستان وأفغانستان ونيجيريا، وتمتد شمالاً نحو بعض الدول الأوروبية، ولو بحالات فردية.

كانت آخر الأعمال الوحشية، ما تم ارتكابه من قتل 21 مصريا من الأقباط في منطقة على السواحل الليبية.. ذات الرداء الأسود للقتلة وذات البدل على الضحايا باللون البرتقالي.. وإن كان هناك التباس ما في ما نشر من صور ومقاطع فيديو تجاه عملية الإعدام الجماعية تلك، فمشاهد القتل الجماعية عن طريق زرع القنابل والمتفجرات تنقل ما بعد إتمام العملية مباشرة.. آخرها العملية التي تمَّت في باكستان، مدينة بيشاور في صلاة الجمعة لمسجد يرتاده الشيعة، وكان ذلك في 13 فبراير الماضي، راح ضحية العملية 24 قتيلا و67 جريحا، وتبنى العملية تنظيم طالبان في باكستان.

في العراق، العمليات الإرهابية غدت مسلسلا يوميا، لا تعرف أين يقع ومَن يصيب في وسط وجنوب العراق وشمالها، حتى تحوَّل الوضع في ما بعد إلى حرب، بكامل أركانها، بين القوات العراقية والمتطوعين ضد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يحتل محافظة الأنبار، وكاد يصل إلى إقليم كردستان، لولا التدخلات التي تشبه الإملاءات من مصادر غربية وأميركية.

 • هيثم مناع
• هيثم مناع

أسباب توسع «داعش»

امتدت الدولة الإسلامية (داعش) إلى هذا الإقليم، بعد أن رسخت وجود دولتها في محافظة الرقة السورية، بغرض هيمنتها على المحافظة بقتال الفصائل الإسلامية الأخرى، كالنصرة، أو مبايعة تنظيمات إسلامية أخرى لها.. وغدا تنظيم داعش هو عنوان هذه التنظيمات الإرهابية، بامتداده الجغرافي ونفوذه المالي.
الأحداث مستمرة ومتوسعة في الحيز المكاني، لينتقل من قارة لأخرى، وليس من بلد وآخر.. وهذا يقودنا إلى قراءة لهذه النكبات التي تنامت وتوسعت بصورة مضطردة، وهو ما يجيب عنه المعارض السوري هيثم مناع، في كتابه الذي حمل عنوان «خلافة داعش»، الصادر عن دار بيسان، الذي صدر أواخر عام 2014، وقد تكون بداية الكتاب نوعا من البحث المطور.

والكتاب يضم أربعة أجزاء؛ الجزء الأول «من هجرات الوهم إلى بحيرات الدم»، الثاني «صناعة التوحش»، الثالث «اضطراب الرؤية وغشاوة البصيرة» والرابع «شبكات التحويل والدعم»، وفي صفحاته الأخيرة يورد تساؤلات عن المستقبل، وأخيراً وثائق وملاحق.

المعارضة والدور التركي

في بداية كتابه، يتناول د.مناع مقدار الجهل والتصورات الخاطئة لبعض أطراف المعارضة السورية عندما قابل أحد المعارضين «من أصحاب العباءة الديمقراطية» في مارس 2013، وأخبره بأن مَن قام بخطف المطرانين في سوريا، هي مجموعة شيشانية أرسلتها المخابرات الروسية، وتم تسليمهما للمخابرات الجوية السورية.. يقول: «لم أعلق على هذه المعلومة، سوى أنني لم أعد ألتقي إطلاقا هذا المعارض»، كما يوضح أن أبوعمر الشيشاني حارب مع الجيش الجورجي ضد القوات الروسية في بلده قبل هجرته لسوريا.. هنا في بدايته يتحدَّث أو يركز على التجهيل في المعلومات، التي تؤخذ من البعض، كمسلَّمات يتم بناء موقف سياسي أو تحرك ما عليها.. ويتغافل الجميع، كما يذكر، عن أنه منذ تلك السنوات كانت السلطات التركية، وبسماح أوروبي، كانت تغطي صفقات النفط من تنظيم داعش، بغرض تنفيذ خطة التمويل الذاتي، بعيداً عن الاعتماد على التمويل الخليجي.. إذن، هناك مساهمة ومساعدة تركية في عملية البناء المالي لـ»داعش»، والمال أساسي ودينامو الأداء لشراء السلاح وكافة احتياجات أعضاء التنظيم الإرهابي.

بذرة «داعش» وقادته

ويعود إلى بذرة «داعش» الرئيسة، فهي نابعة من تنظيم القاعدة، الذي نما وترعرع بدعم أميركي وخليجي هائلين، وإلى بداية تشكل السلفية الجهادية منذ وجودها في أفغانستان.. وأتت في ما بعد إلى العراق، بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، بوجود أبومصعب الزرقاوي في العراق منذ عام 2004، ويتناول في الكتاب أهمية الأشخاص في التكوين التنظيمي لهذه التجمعات الإرهابية، ويقول: «لقد توصلنا من خلال متابعة تجربة داعش من خلايا الزرقاوي إلى خلافة البغدادي إلى ضرورة تناول التجربة عبر الأشخاص، بعد أن تبيَّن لنا تأثيرهم على طبيعة وتركيب ووظيفة الأيديولوجية التي يعلنون عنا». ونضيف أن هذا الأمر مفهوم ومنطقي في تنظيمات تفتقد الحوار الديمقراطي، وتعتمد على السمع والطاعة من الأمير أو المرشد في تسمية أخرى.. وهذا واضح بشأن التنظيمات الإسلامية منذ نشأتها الحديثة أيام حسن البنا حتى يومنا هذا.

وهنا يذهب د.مناع إلى إعطاء ما يشبه السيرة الذاتية لهؤلاء، أولهم أبومصعب الزرقاوي، لقباً، واسمه أحمد فاضل الخلالية من الزرقاء في الأردن ومن مواليد 1966، وقبل وصوله إلى أفغانستان عام 1989، كان قد سجن في الأردن «بتهمة حيازة المخدرات والاعتداء الجنسي»، مسترسلاً في سرد مسيرة الزرقاوي من أفغانستان – الأردن – العراق، مكان مقتله عام 2006، بعدها تولى زمام القيادة حامد داود الزاوي، وهو عراقي من مواليد 1964، وملقب بأبوعمر البغدادي، خريج كلية الشرطة من بغداد، تولى القيادة وقتل عام 2010، وقد كان يعاون أبوعمر البغدادي عدة مسؤولين التحقوا بالتنظيم، منهم أبوعبدالرحمن البيلاوي، العقيد حجي بكر، أبوأيمن العراقي وآخرون، لتصل الإمارة عام 2010 إلى عواد إبراهيم البدري، الملقب بأبو بكر البغدادي، الذي أعلن الخلافة، وهو دكتور في الدراسات الإسلامية وأستاذ ورسالته حول التجويد، وقد حدد البغدادي ستة عناصر لبناء التنظيم، هي:

1 – الاستفادة القصوى من خبرات ضباط الجيش العراقي.
2 – تأمين موارد مالية ضخمة.
3 – اعتماد الإعلام وسيلة مركزية من وسائل النصر والجبروت والقسوة والرهبة، لتحييد وإخضاع كل المخالفين لمشروع الخلافة.
4 – اتباع سياسة المفاوضات مع العشائر.
5 – عدم التهاون مع أي تنظيم جهادي لا يريد التعاون مع «داعش».. أما البيعة لـ«داعش» أو القتال.
6 – الغلو في التعامل مع المجموعات السكانية غير السنية، لتطهير أماكن وجود التنظيم.

المبادئ العامة للتنظيم

بعدها ينتقل د.مناع في كتابه عن أهم القيادات للتنظيم في «ولاية الرقة»، التي بايعت البغدادي للخلافة، منهم علي الحمود الشواخ، خلف ذياب الحلوس، أبوعمر الملاكم عراقي الجنسية، محمود الخضر، علي السهو وفواز محمد العلي، معطيا نبذة صغيرة عنهم على المستوى التنظيمي والخلفية الشخصية.
ويتطرَّق د.مناع إلى جانب مهم لتنظيم داعش، الذي غدا ولاية إسلامية، وهو المتعلق بالمبادئ العامة للتنظيم، وهي مبادئ تم تطبيقها والعمل بها مباشرة، وليست مبادئ في مجال الرؤية المستقبلية أو التنظير، كما يبينها تفصيلاً في ملحق الكتاب.

ومبادئ دولة البغدادي 19 بنداً، تحدد عقيدة الدولة الإسلامية، أهمها «وجوب هدم وإزالة مظاهر الشرك، وتحريم وسائله، بألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، الرافضة طائفة شرك وردة، التحاكم إلى شرع الله وحده، العلمانية، على اختلاف رواياتها وتنوع مذاهبها، كالقومية والوطنية والشيوعية والبعثية، هي كفر بواح مناقض للإسلام مُخرج من الملة، ومنهج الحزب الإسلامي منهج كفر وردة لا يختلف في منهجه الكافر والمرتد، كحزب الجعفري والعلاوي، الديار إذا علتها شرائع الكفر وكانت الغلبة فيها لأحكام الكفر، من دون أحكام الإسلام، فهي ديار كفر، وجوب قتال شرطة وجيش الطاغوت والردة، طوائف أهل الكتاب وغيرهم من الصابئة ونحوهم أهل حرب لا ذمة لهم، تحريم ما يدعو إلى الفاحشة كجهاز الساتلايت، وتوجب على المرأة وجوبا شرعيا ستر وجهها، والبعد عن السفور والاختلاط، أبناء الجماعات الجهادية العاملين في الأسلحة أخوة في الدين، ولا نرميهم بكفر أو فجور، إلا أنهم عصاة، لتخلفهم عن واجب العصر وهو الاجتماع تحت راية واحدة».. هذه هي مبادئ «داعش»، اختصاراً، ومن العجيب أن بعض بنود هذه المبادئ لاتزال تطبَّق في بعض البلدان الإقليمية والعربية.

فتاوى مدمرة

ومن الملاحظات، خلاف المبادئ، فتاوى «داعش».. فبالنسبة لهم «المعارضة السلمية كفر بواح، وأخطر من المشاركة في المهزلة السياسية»، وهناك خطب كاملة لأبي محمد العدناني، ينتقد فيها أي حراك سلمي، ويندد بالربيع العربي، الذي لم يقد إلى شيء.
وفي الفصل الأخير من الكتاب، يتحدَّث د.مناع عن مصادر التمويل لتنظيم داعش، الذي غدا دولة، وحددها بستة مصادر؛ حركة المال غير الرسمية باتجاه التنظيم، حركة المال بين التنظيمات المسلحة، أساليب الضغط والابتزار القسرية، السوق السوداء وتجارة الممنوعات، تجارة الطاقة وأخيراً الغنائم.

سؤال المستقبل

ماذا عن المستقبل؟ يقول د.مناع: «أمام هذا التوحش المتلبس للغطاء الديني، لا يمكن مواجهة الظلامية بوسائل فاسدة، وإن كانت الوسائل العسكرية لها أساسية، فالحل للتخلص من هذه الظواهر لا يمكن أن يختزل في استراتيجية عسكرية أمنية. لا يوجد مثل واحد في التاريخ تم وضع حد فيه لظاهرة التطرف بالتطرف أو بالعمل العسكري وحده».

ويشير د.مناع إلى أن هناك بيئة حاضنة لولادة «داعش» ترجع لعدة عوامل وأحداثيات، هي: اعتماد الحرب الأفغانية على فكرة الجهاد ضد الشيوعي والكفرة، الفراغ الأيديولوجي بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي، صعود التيارات الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، استثمار الحرب التي شنتها إدارة بوش- تشيني على الإرهاب، انتقال عدوى الأطروحات المذهبية إلى أحزاب وحركات إسلامية من خارج التيار الجهادي، توظيف العديد من حكومات الشرق الأوسط لفكرة الصراع المذهبي (سني – شيعي) في الخلافات الإقليمية، اشتراك غالبية الأحزاب الإسلامية الطابع في الأطروحات الشمولية التي يلخصها سيد قطب بالقول «خذوا الإسلام جملة أو دعوة».. وأخيراً، اعتماد السلطات الدكتاتورية على العصبيات.

إذن، العملية لمواجهة هذه الظواهر مركبة، وليست محصورة في الجانب الأمني، وفق النهج الذي تقوده الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتسير في ركبها بعض الدول العربية.. هناك أهمية تغيير الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وهي الحاضنة الرئيسة للمواجهة، وإنهاء هذه الظواهر المدمرة لبلداننا ومجتمعاتنا والمتزايدة في الاتساع والتوحش والقتل والتدمير.
وكتاب د.مناع محاولة في غاية الأهمية لإنارة الطريق المعتم والتداول المبسط الذي قد يصل إلى حد السذاجة عند تناول «داعش»، الذي أصبح العنوان اليومي لحياتنا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *