الرئيسية » آخر الأخبار » الحكومة تخصص مبلغا ضخما لتشجيع المواطنين على المضاربات في البورصة

الحكومة تخصص مبلغا ضخما لتشجيع المواطنين على المضاربات في البورصة

الحكومة تدفع باتجاه كارثة محدقة
الحكومة تدفع باتجاه كارثة محدقة

كتب إيهاب علام:
مما لا شك فيه، أن تنويع مصادر الدخل لا يقوم على خلق كيانات اقتصادية كبيرة وحدها، بل تلعب الصناعات الصغيرة، والمشروعات الإنتاجية الصغيرة، وتشجيع المواطنين على العمل والإنتاج أيضاً جزءاً كبيراً من هذا التنويع، ولكن يبدو أن الحكومة لا تعرف شيئاً أو تعلم بهذه الأمور.. ففي الوقت الذي يجب أن تشجع فيه الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتحفز المواطنين على العمل والإنتاج، وفي الوقت الذي تتحدَّث فيه الحكومة ووزارة المالية عن ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل، وأفردت لذلك دراسة طويلة غالبية بنودها، إن لم يكن جميعها، تثقل كاهل المواطن البسيط بأعباء مالية جديدة، نجد أنها (الحكومة) قد خصصت مبلغا ماليا ضخما لتشجيع المواطنين على المضاربات في سوق المال.

ووفق تقارير إعلامية نشرت قريباً، فإن الحكومة خصصت ملياري دينار في البنوك لإقراض المواطنين الراغبين في التداول في البورصة، مشيرة إلى أن بنك الكويت المركزي خصص هذا المبلغ لإقراض المواطنين، من دون طلب ضمانات معقدة منهم، وهذا الأمر في حد ذاته مثال واضح على أن الحكومة لا تخطط لبناء اقتصاد منتج، وكل ما يُقال، ما هي إلا تصريحات إعلامية رنانة وتقارير تُعد من أجل الظهور الإعلامي، وكل ما يُقال عن تنويع مصادر الدخل ليس إلا لتهدئة الرأي العام الغاضب، بعد التراجع الشديد في أسعار النفط، والغضب الكبير من المواطنين على الحكومة، بعد أن وضعت البلاد في ورطة مع هذا التراجع والعجز المتوقع في ميزانية العام المقبل.

ثلاث مشكلات

والمؤكد أن الحكومة بهذا الأمر تقتل أي طموح لدى الشباب وغيرهم في خلق كيانات اقتصادية تشغيلية منتجة تعود على الاقتصاد الوطني بالنفع وتساهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب تساعد في حل مشكلة البطالة التي تتزايد عاماً بعد الآخر، وقد تنفجر في وجه الجميع في أي لحظة، بل بهذا الأمر تساهم وبشكل كبير في دعم النشاطات الطفيلية والمضاربات والاتكالية، ودفع شرائح كبيرة من المجتمع للبحث عن الكسب السهل، الذي لا يعود على الاقتصاد أو الشباب بأي نفع، بل يحولهم إلى أشباه عاطلين.
ولا شك أن توجه الحكومة هذا سيخلق ثلاث مشكلات رئيسة، هي: مشكلة قروض جديدة، مشكلة ضعف إنتاجية واتكالية لدى المواطنين، والمشكلة الثالثة هي السحب من أموال الدولة مبلغا ماليا كبيرا يمكن الاستفادة منه في مشروعات إنتاجية مفيدة، وتحميل خزينة الدولة أعباء مالية جديدة، وفي ما يلي سنتناول المشكلات الثلاث بالتفصيل:

أولاً- القروض الجديدة:

 تعد قضية القروض وإسقاط فوائدها، والتي ظل يدور الحديث عنها منذ سنوات من القضايا الرئيسة التي تسببت في هدر مليارات من الدنانير من المال العام، وقد تسببت هذه المشكلة في ترسيخ مبدأ الاتكالية عند المواطنين، والضيق والتذمر عند فئة أخرى، آثرت على نفسها ولم تلجأ إلى الاقتراض، لأنها لا تقوى على سداد هذه القروض، فهذه الفئة كانت وما زالت حتى الآن حانقة بشدة على من عبثوا بمقدَّرات وأموال الوطن ومستقبل أبنائهم، وحق الأجيال القادمة المشروع في التعليم والسكن والعلاج.

وعند النظر إلى هذه القضية، نجد أنها كانت ركنا أساسيا من أركان العمل السياسي، وقضية للتكسب الشعبي وضمان مقعد تحت قبة عبدالله السالم، فكثير من النواب كان أول ما يفكرون فيه لكسب ودّ شريحة كبيرة من الناخبين، هو إطلاق الوعود بإسقاط هذه القروض، أو على أقل تقدير  فوائدها، من دون أي اعتبارات لتأثير ذلك على الخزينة العامة للدولة.

 والحقيقة أن عدداً من نواب مجلس الأمة هم مَن جعل من فوائد القروض مشكلة كبيرة وضخموها، من أجل التكسب الشعبي، فالقضية لم تكن بالحجم الذي قد يتخيَّله البعض، ولكن الأغراض السياسية جعلتها قضية الوطن الأولى، واليوم بعد انتهاء هذه المشكلة، ها هي الحكومة تعود إلى صنعها من جديد، بتيسير قروض جديدة للمواطنين، من أجل المضاربات في البورصة، ومن المرجح أن تخسر شريحة كبيرة من المواطنين ما اقترضوه من أموال في هذه المضاربات، لتتراكم عليهم مجدداً هي وفوائدها، وبالتأكيد سيكون أول الفرحين بهذا الأمر هم نواب مجلس الأمة، فمن الممكن أن تعود إليهم قضية من أهم قضايا التكسب الشعبي.

ثانياً- ضعف الإنتاجية والاتكالية:

إن الأمر المؤكد أن تعود المواطنين على الاقتراض، بسبب ومن دون سبب، واعتماد المواطنين على الدولة في تحمل القروض التي اقترضوها، أو على الأقل فوائدها، جعل البعض ممن كان جاداً في سداد ما اقترضه، يتراجع عن السداد، لعل وعسى المطالبات المستمرة من أعضاء مجلس الأمة تأتي بثمارها ويتم إسقاط القروض أو فوائدها، وهذا خلق مشكلة الاتكالية لدى المواطنين، والأمر الذي لا يقبل الشك أن للدولة والمواطن دورا كبيرا في تعقد هذه المشكلة، فالدولة لم تضع الضوابط الكافية لتنظيم عملية الإقراض، والمواطن، وفقاً لذلك، تمادى في الاقتراض، بسبب ومن دون سبب. ووفقاً لما هو متبع في كافة دول العالم، يتحمَّل المواطن نتيجة ما صنعت يداه، وليس خزينة الدولة، ولكن في الكويت الأمر مختلف، حيث يتحمَّل المال العام أخطاء الحكومة والمواطنين في الوقت ذاته.

المشاريع الصغيرة

كان الأجدر بالحكومة أن تشجع المواطن على العمل والإنتاج، عبر إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة، وليس الاقتراض للمضاربة في أسواق المال، فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة أصبحت الآن ركيزة أساسية في الاقتصاد، وتشكل جزءاً كبيراً من الناتج المحلي لأي دولة. فوفقاً لتقرير شركة «ليدرز جروب» للاستشارات، تشكل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية نحو 74.2 في المائة من إجمالي الشركات، وتستوعب نحو 27 في المائة من إجمالي العمالة، وتصل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى33 في المائة. كما تمثل المشاريع الصغيرة نحو90 في المائة من إجمالي الشركات في معظم اقتصادات العالم، وتسهم هذه المشاريع بنحو 46 في المائة من الناتج المحلي العالمي، وتوفر نحو 60 في المائة من إجمالي فرص العمل حول العالم، وتساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي للعديد من الدول.. فعلى سبيل المثال تساهم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بنحو 85 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في إنكلترا، و80 في المائة بسنغافورة، ونحو 51 في المائة بالولايات المتحدة الأميركية، و40 في المائة بألمانيا.

ويشير التقرير إلى أن قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة يحتل مكانة متميزة ضمن أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الخليجية، إذ إن 56 في المائة من اقتصاد دول الخليج يعتمد على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فهي تعد النمط الغالب للمشروعات في الدول الخليجية، ولكن للأسف، الكويت، بدلاً من أن تشجع المواطنين للعمل وزيادة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، تشجعهم على الاقتراض للمضاربة في البورصة والاتكالية وعدم الإنتاج.

ثالثاً- تحميل خزينة الدولة أعباء مالية جديدة:

لا شك أن تيسير عملية الإقراض للمواطنين، مجدداً، سيدفعهم إلى الإقبال بشكل كبير على الاقتراض، وبما أن نسبة كبيرة من هذه القروض سيكون موجهاً للمضاربة في الأسهم، فاحتمال خسارة هذه الأموال وارد بشكل كبير، وهنا سيعجز الكثير من المواطنين عن السداد، وسنجد أنفسنا أمام مشكلة قروض جديدة، وهنا سيتدخل نواب المصالح، ونجد المطالبات بإسقاط هذه القروض أو فوائدها، وهذا الأمر سيحمّل خزينة الدولة أموالاً طائلة، كما حدث في مشكلة القروض الاستهلاكية السابقة.. ووفق التعديلات التي أجريت على قانون إسقاط فوائد القروض، أو ما عُرف بـ «صندوق الأسرة»، الذي أقرّ لحل مشكلة القروض، فقد اشترت الحكومة جميع مديونيات من اقترض من المواطنين للفترة ما قبل 31 مارس 2008، ووصلت كلفة معالجة فوائد القروض إلى ما بين 1.3 و1.5 مليار دينار، وهذا المبلغ كله تحمَّلته خزينة الدولة، وهو ما كان حينها كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

استنزاف المال العام

إن ما تسعى اليه إلحكومة برصد كل هذا المبلغ لإقراض المواطنين للمضاربة في أسواق المال، هو تحفيز جديد على المزيد من الاقتراض، وخلق مزيد من الفوضى الاقتصادية والتراخي بين المواطنين، فإقراض المواطنين بشكل عشوائي، ثم إسقاط هذه القروض، أثبت أنه يدفع المواطنين إلى مزيد من الاقتراض، كما أن إعادة طرح هذه الموضوع سيدفع مَن لم يقترض سابقاً إلى الاقتراض، ظناً منهم أن الدولة ستتحمَّل القروض الجديدة، كما حدث في القروض السابقة، بالإضافة إلى أن مثل هذا الطرح سيساهم في زيادة الاستنزاف الحاصل حالياً في المال العام، في الوقت الذي يجب فيه وضع حد فاصل لهذا الاستنزاف، والتوقف عن هدر هذا المال، وتوفيره في قضايا التنمية المستدامة، خصوصاً في ظل التراجع الكبير لأسعار النفط، وحديث الحكومة المتكرر عن تنويع مصادر الدخل وترشيد الإنفاق، فقد حان الوقت كي يفكر المواطن في العمل والادخار، بدلاً من الاتكالية والاستهلاك والاعتماد على العطايا والهبات من الدولة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *