الرئيسية » ثقافة » ليلى البلوشي: من يقمع الكلمة يدرك مدى تأثيرها

ليلى البلوشي: من يقمع الكلمة يدرك مدى تأثيرها

ليلى البلوشي
ليلى البلوشي

حوار: هدى أشكناني
كاتبة عمانية مقيمة في الإمارات العربية المتحدة، تتنفس بهدوء كل ما يدور حولها، تعطي أولوية كبرى لفكرة الإنسان، تكتب وتفكر، تستمع لهموم العالم، قلبها مليء بالحب والعطاء الذي لا يتوقف.. تجدها طفلة تدهشها تغيُّرات الكون.. الكاتبة ليلى البلوشي، تتحدَّث إلى «الطليعة» عن الكتابة والحياة:

● الملاحظ في كتبك، أنك بدأت بدور نشر عربية (لبنانية)، ثم اتجهت لدار نشر خليجية (كويتية).. هل تجدين أن الانتشار يبدأ إقليميا ثم يتجه محليا؟!
– بدقة أكبر بدأت من أم الدنيا مصر، كانت مجموعتي القصصية الأولى «صمت كالعبث» صادرة عن دار نشر مصرية، ثم بعدها صدر لي كتابان في نقد أدب الطفل، وتولت نشرهما دار نشر محلية إماراتية، ثم اتجهت نحو لبنان، وأصدرت كتابين «رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن»، و«هواجس غرفة العالم»، ثم صدر كتابي السادس، وهي مجموعة قصصية قصيرة جدا، بعنوان «قلبها التاسع»، وأصدرتها دار نشر كويتية.

وبالنسبة لمسألة الانتشار، فهو يمكن جدا أن يتم إقليميا ثم محليا، أو يتم محليا ثم إقليميا.. في الحقيقة، أنا لم أفكر بهذا، بل فكَّرت في التنوع، وفي التوازن أيضا. هناك دور نشر محلية تحتاج إلى دعم كُتابها، وهي بدورها تدعم الكاتب أيضا، وأنا بدوري، كما أحب التجريب في الكتابة، وكتبي بدورها تحب أن تجرب أيضا مع دور نشر مختلفة، وأيضا أفكر في إصدار كتاب إلكتروني.. هل تعلمين أن معظم الكُتاب الشباب في اليابان تخلوا عن النشر الورقي واتجهوا بقوة نحو النشر الالكتروني، وتنشر نسخهم بالملايين، ومن أشهرهم: ريو موراكامي، وهو اليوم في اليابان بشهرة الروائي المرشح لنوبل كل عام هاروكي موراكامي.
باختصار، في بعض الأحيان عملية النشر تختار طريقها بنفسها وتجرّ الكاتب خلفها.

طاقة الحب

● قلبها التاسع، القلب مركز الحياة، فلماذا تسعة؟
– مذ يومين وقعت للمرة الثانية كتابي «قلبها التاسع» في دار بلاتينيوم بوك، ويومها سمعت شمايل، وهي إحدى المسؤولات هناك، تقدّم الكتاب لكل من يسأل عنه: «هذا الكتاب عنوانه لغز، والكاتبة موجودة، لكنها لن تشي بسره لكم، بل عليكم قراءة الكتاب لاكتشافه بأنفسكم».

● باعتقادك، كيف يمكن أن تسهم طاقة «الحب» في تغيير البشر؟
– باعتقادي، إن العنف في مجتمعاتنا العربية مبعثه الحقيقي هو افتقادنا للحب، وكما قال مرة شاعر الحب نزار قباني: «نحن مجتمع بلا عافية، لأننا لا نعرف أن نحب، لأننا نطارد الحب بكل ما لدينا من فؤوس ومطارق وبواريد وخناجر.. ما لم نفتح لحب نوافذنا، فسوف نظل نباتات شوكية لا تورق ولا تزهر وتظل قلوبنا قارات من الملح لا يخرج منها أي غصن أخضر».
في الحب، الإنسان رابح دائما، كما تقول الأديبة غادة سمان: «في حالة الحب، فالإنسان رابح دائما.. إنه يربح اكتشاف ذاته، ومدى استعداده الحقيقي للعطاء، ومدى قدرته على أن ينطلق، ليحب العالم كله، من خلال انطلاقته عبر حبه الفرد، والخاسر الوحيد في علاقات الحب هو الذي لم يحب حقا».

السلطة والإنسانية

● الصراعات السياسية أسقطت أقنعة كثيرة، كنا نظن بجماليتها.. هل ترين أن مَن يطالب بالحرية هو نفسه مَن يقمعها؟
– يحدث ذلك كثيرا، حين يكون هذا القامع في موقع السلطة، فالرؤية من فوق ليست كما الرؤية من الأسفل، ضوء السلطة يعمي أحيانا البصيرة.
● الإنسانية كمفهوم.. لماذا اختلف رغم وضوحه وبساطته؟
– لأن الإنسان كائن متناقض، لأن في روحه خير وشر، وهما في صراع أبدي، وغالبا لا منتصر، وغالبا أيضا مَن يمتص قوته من ذات الإنسان نفسه هو مَن يسيطر على كيانه باستمرار.

● هل توافقينني أن الكثير ممن كانوا يحلمون، فقدوا أحلامهم وطموحاتهم، من جرّاء البشاعة والخراب الذي بيننا، وأصبح همهم الأخير هو السلام فقط، من دون محاولة بعد اليأس؟
– ليته توق إلى السلام فحسب، بل هناك توق كبير نحو العنف والتشفي، نحو الانتقام من الدم بالدم، وهذا أكبر نكبات الإنسان العربي في وقتنا الحالي.. الإساءة تقابل بالإساءة، والدم يقابل بالدم، فمن أين يأتي السلام؟!

الكتابة والحياة

● هل تعتقدين بوجود ثقافة حقيقية في الخليج؟
– هناك كُتّاب جيدون ومثابرون، وهؤلاء هم أولا قراء جيدون، وهناك أيضا كُتّاب يعتقدون أن الكتابة هي أن تكون كتبك أكثر مبيعا، وأن تكون مشهورا، وهؤلاء لم يفهموا الغاية الحقيقية من الكتابة، وهي انطلاق روحي هائل نحو عزلة كونية كبيرة تكون حاضرا وغائبا في آن، لأن الكتابة تستدعي دائما العزلة عن تفاصيل الحياة العادية، وهي في الوقت نفسها تلك التفاصيل العادية التي يتأملها الكاتب من زاوية تؤهله لأن يراها برؤية مختلفة تماما عن الإنسان العادي، ومن خلال تلك العزلة الكونية تتأمل الخطوات التي ارتقتها كتبك بهدوء وبلا مفرقعات دعائية ترفعه رفعا.

● ما رأيك في المهرجانات والأمسيات الأدبية؟ وكيف تجدينها مقارنة مع المهرجانات في الدول العربية؟
– متفاوتة في غاياتها، وليست جميعها موظفة حقا لخدمة الثقافة، وأحيانا الأسماء والوجوه نفسها تجدينها مكررة في معظم المهرجانات والأمسيات الأدبية، وهذا إجحاف في حق أسماء أخرى وأعمال تستحق أن تكون على منصات الأدب.. شخصيا، لا أجد نفسي في هذه الحفلات الأدبية، ربما لأني مفتونة بمناقشة الأدب على طريقة الروائية الإيرانية آذر نفيسي في روايتها العظيمة «أن تقرأ لوليتا في طهران»، حين ناقشت الأدب مع مجموعة من طالباتها في معزل عن منصات المهرجانات في دولة تقمع الحريات الفكرية، وهذه حال معظم منصات الأدب في العالم العربي، كونها لا تطرح سوى ما يناسب ميولها، ومع ما ينسجم معها، لذا للأسف، معظمهم متملقون.

وأذكر مرة فاجأتني قارئة باتصال هاتفي على رقمي، متحدثة بحماس عن كتابي «رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن»، وفي اتصالها المدهش طلبت مني الحضور إلى بيتها، تدعوني فيها إلى جلسة أدبية ونقاشية عن كتابي بحضور صديقاتها اللواتي تحمسن للكتاب ولفكرته ورغبن بمقابلتي.. أعتقد حقا أننا في زمن القارئ اليقظ، القارئ الذي يقرأ بمحبة وفكر حقيقيين.. القارئ المكتشف في زمن صرنا حقا نفتقد فيه الناقد المكتشف.. معظم النقاد اليوم يلهثون خلف الكتب التي ترشح لجوائز، أصبحوا مسيرين خلف ما تمليه عليهم منصات الدعايات الإعلامية.

● ما الذي ينقص الحركة الأدبية من العودة لعهدها الذهبي، رغم دخول التكنولوجيا؟
– أعتقد أن لكل جيل عصره الذهبي، ولكل عصر أدواته ووسائله وظروفه في التعبير عن نفسه، واعتقد أيضا أن الحركة الأدبية مكشوفة جدا اليوم، وأن الكرة في ملعب الرافعات الإعلامية، شئنا أم أبينا.. هذه هي الحقيقة، ولكن لست مضطرا، كقارئ وكناقد أو كمهتم بالشأن الفكري والأدبي والثقافي، أن تلهث وراءها، وصاحب الفكر المستقل هو سيد نفسه وذوقه وفكره.

توقعات «البوكر»

● بعد فوز الكاتب والروائي سعود السنعوسي بجائزة البوكر العربية.. ما توقعاتك لهذا العام؟
– توقعاتي أنها ستكون سودانية، فرواية «شوق الدرويش» للروائي حمور زيادة، وظفت أدوات تؤهلها للفوز، ولا يمكن لقارئها أن ينسى شخصية كشخصية بطلها بخيت منديل. وشخصيا، أقدّر جدا الأدب السوداني، وهو أدب غني وكثيف وبديع أيضا، وسبق وكتبت رأيي المدهش عن الأدب في السودان، كان ذلك منذ أعوام، حين قرأت للمرة الأولى بعد الشهير الطيب صالح لكاتب سوداني يدعى عبدالعزيز بركة ساكن، فحين قرأت له اكتشفت عالما سودانيا فكريا وحكائيا وروائيا عظيما، ومن خلاله عرفت كلاً من أمير تاج السر وطارق الطيب و إشراقة مصطفى حامد ورانيا مأمون وبشرى الفاضل وهشام آدم واستيلا قايتانو.. وغيرهم.

خلل الرقيب

● رغم الطفرة الكبيرة في وسائل الاتصال، فإن الرقيب ما زال في مكانه وطريقة تفكيره.. أين هو الخلل برأيك؟
– هناك رعب أزلي من الكلمة، والذين يقمعونها ويمنعون انتشارها، يدركون جيدا مدى تأثيرها على مستوى الفكر البشري، لهذا وإلى عصرنا الحاضر، الكلمة تقمع وتقص أجنحتها، لأنها بثقل سلاح نووي مدمر.

● ما مهمة المثقف الآن؟
– مهمته تتلخص في أن يكتب بوعي، مهمته أن ينشر طاقة الحب في عالم يسير نحو الوحشية والعنف والدمار، مهمته أن يكون مع الإنسان في كل مكان، مهما كان جنسه وعرقه ولونه وقبيلته ومذهبه.

مشرع قادم

● ما الجديد الذي ستقدمينه؟
– لا أحب أن أتحدَّث عن عمل لم أنجزه بعد، لكن ثمة مشروعا مع مجموعة من كتاب العالم العربي، وهذا المشروع عبارة عن طباعة كتب ورقية أو الكترونية، يذهب ريعها للاجئين السوريين.. هذه الفكرة كانت لفنان تشكيلي سوري، وحين أخبرني تحمست جدا لها، ولم تكن لدي مخطوطة كتاب، كي أساهم بدوري في هذا المشروع الإنساني، ولكن اخترعت كتابا خلال يوم واحد، وهذا الكتاب إن صدر سيكون عن قراءات حرة لقصص وروايات وكتب مختلفة سبق وكتبت عنها، واستوقفتني كقارئة متلبسة بالقراءة وعنوانه حتى الآن «أريكة وكتاب وكوب من القهوة».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *