الرئيسية » قضايا وآراء » عبد الله النيباري : إلغاء شطب فيصل المسلم انتصار للدستور

عبد الله النيباري : إلغاء شطب فيصل المسلم انتصار للدستور

عبدالله النيباريجاء قرار المحكمة الإدارية، بإلغاء شطب عضو مجلس الأمة السابق الدكتور فيصل المسلم من قائمة المرشحين لمجلس الأمة، انتصارا مجلجلا للدستور، وتنفيساً للاحتقان الشعبي، وتفاديا لمخاطر انزلاقنا إلى أزمة جديدة، كنا على وشك الانجراف إلى أتونها. لم يكن وزير الداخلية موفقاً في قوله إن شطب 14 مرشحاً قوبل بالثناء وشطب الخامس عشر جوبه بالاعتراض، واعتباره قراراً سياسياً.

إن قرار شطب فيصل المسلم يتجاوز شخصه، وما إذا كان ظلم شخصياً، لأمر أكثر خطورة، وهو المساس بحق دستوري لأعضاء مجلس الأمة في إبداء آرائهم داخل المجلس ولجانه من دون مؤاخذة.

حرمان عضو مكافح ضد الفساد بوزن فيصل المسلم، أو بالأحرى حرمان المجلس منه، أمر مثير للقلق والانزعاج، ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو احتمال تعطيل مادة من أهم مواد الدستور التي تكفل للنواب مساءلة ومحاسبة الحكومة، وتطرح تساؤلات وهواجس عمَّا إذا كانت وراء كل ذلك مقاصد كيدية.

ولقد أثارت قضية النائب فيصل المسلم نقاشاً ثرياً بالغ الأهمية، تناول حصانة النائب، ومعنى الإخلال بالشرف والأمانة، ومفهوم كشف الأسرار، وخصوصا المصرفية، ومتى يكون مباحاً أو محرماً وعلاقة القوانين بالمواد الدستورية. وقد جرى تناول ذلك في مناقشة الأحكام الصادرة أو الآراء والمقالات التي تناولت الكثير من ذلك، سواء في مذكرات الدفاع والآراء التي أبداها الدكتور محمد الفيلي، والبحث القيم للمستشار شفيق إمام المنشور في صحيفة الجريدة (الإثنين 2012/1/16).

هذه المداخلات ألقت أضواء كاشفة على أهمية مواد الدستور المتعلقة بحصانة عضو مجلس الأمة وعمَّقت فهمنا واستيعابنا لها.

الحكم الذي استند إليه قرار “الداخلية” بالشطب آثار تساؤلات عديدة، حول ما إذا كان اتسم بالقسوة ومدى تعارضه مع أحكام الدستور. الحكم الابتدائي أدان مدير البنك (المتهم الأول) والدكتور فيصل المسلم، باشتراكهما في جريمة إفشاء معلومات تتعلق بشؤون البنك، ورأى أن المتهم الأول تحصَّل على معلومات تتعلق بشؤون البنك وعميله، الشيخ ناصر المحمد المحمد الصباح، بأن استولى على صورة الشيك وسلمها للمتهم الثاني – فيصل المسلم – الذي حرضه واتفق معه للحصول على صورة ضوئية من الشيك، ثم جاء قرار محكمة الاستئناف ليبرئ مدير البنك ويدين د. فيصل المسلم، في فصل المساعدة في إفشاء المعلومات المصرفية بجلسة علنية داخل مجلس الأمة باتفاقه وتحريضه مع شخص مجهول لفعل ذلك.

ولم يتضمَّن الحكم أدلة تثبت ذلك، في حين أن د.فيصل المسلم أفاد بأنه حصل على الشيك بظرف سلّم إلى مكتبه، أي أن محكمة الاستئناف برَّأت مدير البنك الذي أدانته محكمة الدرجة الأولى، وثبتت إدانة المتهم الثاني بالاشتراك في إفشاء أسرار البنك، وبنت قناعتها على افتراض اتفاق المتهم الثاني مع شخص مجهول، ولم تذكر أدلة إثبات هذا الاتفاق.

وفي الوقت الذي برأته من تهمة خيانة الأمانة أدانته في كشف أسرار البنك، وجاءت وزارة الداخلية لتستند إلى ذلك في قرار الشطب.

وهنا تثار مسألتان في غاية الأهمية:
1 – ما تعريف الإخلال بالشرف والأمانة؟
2 – تعارض الحكم مع حصانة عضو مجلس الأمة، وفقا للمادتين 108 و110 من الدستور.
تعريف الجرائم المخلة بالأمانة والشرف، وفقاً لما قضت به المحكمة الإدارية العليا، بأن الجرائم المخلة بالأمانة والشرف “هي التي ترجع إلى ضعف الخلق وانحراف في الطبع، مع الأخذ في الاعتبار نوع الجريمة أو الظروف التي ارتكبت فيها والأفعال المكونة لها، ومدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وبسوء السيرة؛ ما يدفع بالشخص إلى اجتناب الفضائل واقتراف الكبائر التي توجب احتقاره وتستوجب ازدراءه، ولا يؤتمن معها على المصلحة العامة خشية أن يضحى بها في سبيل المصلحة الشخصية، أو أن يستغل سلطانه لتحقيق مآربه الخاصة”.

أما في ما يتعلق بحصانة النائب، فقد أكدت المادة 115 من الدستور والمادة 19 من اللائحة الداخلية، أن عضو مجلس الأمة حر في ما يبديه من الآراء والأفكار بالمجلس أو اللجان ولا يجوز مؤاخذته في ذلك بحال من الأحوال.

ويتفق أهل القانون، إعمالا لمبدأ تدرج القواعد القانونية، بأنه لا يجوز الاحتجاج بقاعدة قانونية أو في مواجهة قاعدة قانونية أعلى مقررة بالنص الدستوري، وهو الأسمى والأولى بالرعاية والأعمال، وبناء على ذلك؛ لا يجوز مؤاخذة النائب على ما قام به، فهو يحتمي بحقه الدستوري، وهو أقوى من القانون.

لذلك جاء قرار المحكمة الإدارية تبرئة للنائب فيصل المسلم، والأكثر من ذلك جاء انتصاراً للدستور الذي كاد أن يتعرض لتعديل، وربما تفريغ يغير الأداة الدستورية الواجبة الاتباع في هذا الشأن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *