الرئيسية » عربي ودولي » محاربة «داعش».. ومخطط تفتيت المنطقة

محاربة «داعش».. ومخطط تفتيت المنطقة

محاربة «داعش» ذريعة التحالف الدولي لدخول المنطقة وتفتيتها
محاربة «داعش» ذريعة التحالف الدولي لدخول المنطقة وتفتيتها

محمد الغربللي:
فرق كبير بين نشوب حرب بين دولة وأخرى، أو مناوشات قد يُستخدم فيها السلاح، وبين مواجهة الإرهاب الداخلي.. الحرب الاعتيادية لديها وسائل اتصال متعددة ووساطات جاهزة، لتقليل التوتر أو إيقاف المناوشات أو إنهاء الصراع.. لا ينحصر الأمر في المستوى الوطني، بل عن طريق وسائط دولية تتحرَّك لإنهاء الحرب.. في كل مرة تنشب حروب ويسقط ضحايا، حتى لو استمرت زمنا يفوق التوقع، لابد من إيجاد وسائل لإيقافها.. هذا ما حدث في العدوان الذي شنته إسرائيل على لبنان عام 2006، وتصدَّى لها حزب الله، ثم صدر قرار من مجلس الأمن، بإيقاف الحرب، كما دخلت وساطات، بعضها علنية وأخرى سرية، للوصول إلى اتفاقيات ما، بما في ذلك تسليم جثامين الإسرائيليين.. عدوان آخر ضد غزة حدث عام 2014، في الصيف الماضي.. واستمر خمسين يوما، وتصدت المقاومة الفلسطينية لهذه الحرب المفروضة، ولكن في النهاية توقفت، بعد وساطات مصرية جمعت المتقاتلين، وبموجب تسوية سياسية تمَّت برعاية مصرية، وحضور الأطراف الفلسطينية.. صحيح ان شروطها لم تنفذ لعدة أسباب، لعل تقاعس الجانب العربي والسلطة الفلسطينية جزء منها، إلا أنه في النهاية تعد هذه التسوية إيقافا للعدوان الإسرائيلي على غزة، بموجب مفاوضات سياسية.

التنظيمات الإرهابية

هذا الأمر معدوم تماماً بشأن التيارات والمنظمات الإرهابية الموجودة بكثافة في سوريا والعراق، وبشكل أقل في دول عربية أخرى، مثل: تونس، الجزائر، مصر، ليبيا، واليمن، فهذه التنظيمات الإرهابية التي تستند إلى الإسلام كمنطلق لها، ليس في قاموسها موضوع مفاوضات سياسية أو تسويات في العمليات التي تقوم بها، هي مفردة واحدة تلخص أعمالها، القتل للإنسان والتدمير والتهجير الطوعي أو الإجباري.. هذا ما فعلته بداية في سوريا من قتل وتشريد وتدمير المباني والأضرحة وكل أمر خارج عن تفكيرها القرو أوسطي.. تدمير كامل من دون توقف وقتل متواصل من دون هدف إلا التدمير.. ومع امتداد وجودها شمال العراق في المناطق المحاذية لسوريا، زاد بطشها تجاه الأقلية الإيزيدية، والمسيحيين في الموصل، وعمدت إلى هدم الكنائس وقتل السكان المدنيين، سواء كانوا كانوا شيوخا أم أطفالا أم نساء.. وهناك أكثر من مقبرة جماعية لضحاياهم ومجازرهم التي ارتكبوها.. وحتى المساجد التي تضم أضرحة لم تسلم من أياديهم العابثة.

ولم تتردد في قتل رهائن غربيين لديها، آخرهم الصحافيان اليابانيان والطيار الأردني معاذ الكساسبة.. كان يمكنهم التفاوض بمطالب ما، ولكنهم لم يلجأوا إلى هذا السبيل كهدف، بل مارسوا نوعا من الابتزاز، لإخضاع الطرف الآخر، ببث عمليات القتل بأبشع الصور، ذبحا أو حرقا، كما هي حال الطيار الأردني.

تشجيع إقليمي

هو نوع من التدمير المتواصل، والذي يتم تشجيعه من أطراف إقليمية ودولية، فأعداد المتطوعين لم ينزلوا إلى مناطق القتال من السماء، بل هناك أطراف عربية وإقليمية، وبالذات تركيا ودول عربية أخرى، ساعدت في حشد المقاتلين وتجنيدهم من مناطق متفرقة من العالم، وتسيهل دخولهم إلى سوريا والعراق، وهذا الأمر لم يعد سراً أو حدساً غير مبني على الواقع.

الطائرات الأميركية

لا نفهم إطلاقا قيام الولايات المتحدة بمتابعة مركبة في مساحة واسعة، كاليمن، وقتل أنور العولقي، ومَن كان معه فيها عام 2011، وهي مجرد مركبة من ملايين غيرها، ومع ذلك أمكن رصدها وقتل مَن كانوا فيها.. واستمرت استهدافات قيادات التنظيمات الإسلامية المتطرفة في اليمن طوال سنوات، آخرها قيام طائرة أميركية بدون طيار، بقتل مفتي القاعدة في اليمن، حارث الضاري، من محافظة شبوة، ومَن كان معه في المركبة في تلك المحافظة، علماً بأن مساحتها الجغرافية تبلغ 42500 كم2، أي ضعف مرتين ونصف مساحة الكويت، ومع ذلك يكون في قدرة الطائرات الدرونز الأميركية متابعة مثل تلك المركبات، والقضاء على مَن فيها، ولا يتم رصد الأفراد الذين يتوافدون بالآلاف إلى ساحات المعركة، ويتم تزويدهم بالسلاح، بمختلف أنواعه، سلاح لا يهدف إلا للقتل والتدمير. ومما يثير العجب، تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أخيرا، واتهامها لتركيا بأنها تسهل حركة المقاتلين الإرهابيين، وبأنها إحدى محطات تزويدهم بالأسلحة، وكأنها اكتشفت للتو هذا الحدث، الذي استمر طوال سنوات، في حين أن طائرات الاستطلاع الأميركية التي تحدد المركبة وتقتل مَن فيها صابها العمى والطرش في ما يخص الساحتين السورية والعراقية، بشأن تتبع التنظيمات الإرهابية وطرق تسليحها المستمر.. قاطرات متعددة وصهاريج نفط مهربة لم تظهر على شاشات تلك الطائرات لمواجهة ادعاءات الولايات المتحدة بالتصدي للإرهاب، وتحالفها الذي خلقته منذ أشهر.

خطر “داعش”

وجود «داعش» والدولة الإسلامية التي يسمح بتمددها، يخلق أوضاعا مريحة تماماً للولايات المتحدة وحلفائها وأولادها، إسرائيل على رأس القائمة، فلم تعد القضية الفلسطينية هي القضية الأولى التي يجتمع العرب حولها، فالجميع – بذريعة «داعش»- لاهون، كما لم تعد إسرائيل عدواً ومغتصباً لأراضٍ عربية، ولا أحد يبالي بهجماتها المستمرة على الشعب الفلسطيني أو لبنان أو سوريا، ما دام هناك خطر «داعش» والدولة الإسلامية، بل وصل الأمر إلى تنسيق أمني ومخابراتي مع دول عربية لا ترتبط سياسيا مع إسرائيل، التي تعيش في ذروة سعادتها على هذا الوضع.

لم تعد الديمقراطية والعيش الكريم والحريات من أولويات الأنظمة العربية أمام الخطر «الداعشي» المتمدد، فالجهود كلها منصبة – كما تدعي- لمحاربة الدولة الإسلامية.. لم تعد المنطقة تعيش بسلم وأمان وتنمية اقصادية واجتماعية، بل فتحت الخزائن للتزود بالأسلحة من الولايات المتحدة والدول الغربية التي دارت مصانعها الحربية، مجدداً، بذريعة محاربة «داعش».

تكثف التواجد العسكري الغربي بشكل كبير، من حاملات طائرات، وطائرات حربية وجنود وعساكر وخبراء، وعادت بريطانيا إلى قواعدها التي تركتها منذ عام 1971، «سالمة جاهزة».

تفتيت المنطقة

استمرت عملية تفتيت الدول العربية المؤثرة، بدءاً بالعراق، وإن لم يكن بوضع جغرافي محدد، إلا أنه أصبح تقسيما اجتماعيا قابلا للازدياد والترسخ.

وهذا المشروع قائم أيضا في سوريا، ليس بجريان الحديث النظري عنه، بل يتم تكريسه على أرض الواقع مع مرور السنوات على الأزمة أو الحرب الدائرة في سوريا.. تفاصيل المنافع والمصالح المتحصلة عديدة وعميقة ومخيفة يتم جنيها يوميا، سياسة وأموال واقتصاد وصفقات تحرك المصانع الأوروبية والأميركية.. وكل ذلك بفضل «داعش»، ومثيلاتها وأخواتها من التنظيمات الإرهابية، التي يتم حقنها، مالاً وسلاحاً ورجالا، كلما ضعفت أو تراخت، فمنافعها أعظم من فقدان رهينة أو 10 رهائن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *