الرئيسية » آخر الأخبار » خطط الحكومة لتنويع مصادر الدخل.. «لا طبنا ولا غدا الشر» (1-2)

خطط الحكومة لتنويع مصادر الدخل.. «لا طبنا ولا غدا الشر» (1-2)

الكويت تتحدث عن تنويع مصادر الدخل منذ سنوات.. والمحصلة لا شيء
الكويت تتحدث عن تنويع مصادر الدخل منذ سنوات.. والمحصلة لا شيء

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
ونحن نعيش زمن القرارات الحكومية العجيبة، لم يكن مستغرياً أن يخرج علينا وزير المالية، أنس الصالح، بالقول إن كل قرارات الحكومة تأتي لصالح المواطن، وإن خطة تنويع مصادر الدخل وترشيد الإنفاق التي أعدها الفريق الاقتصادي بوزارة المالية، والتي تحمّل المواطن أعباء معيشية لا طاقة له بها، ستتم من منظور فني ومهني لصالح المواطن، ومن دون المساس بذوي الدخول المحدودة.. أليس هذا بالأمر الغريب؟!

إن قضية تنويع مصادر الدخل من أكثر القضايا التي تحدثت وتتحدث عنها الكويت، وهذه القضية كتبت عنها مئات التقارير، وأجريت عنها مئات الدراسات من دون أي تقدم، ولو حتى خطوة واحدة، وظلت الكويت على مدار عقود عاجزة عن تحقيق تقدم في هذا الأمر، على الرغم من الإمكانيات المالية الكبيرة التي تمتلكها، في حين أن كثيرا من الدول لا تملك نصف هذه الإمكانيات، ونجحت في خلق أكثر من مصدر للدخل في سنوات معدودة.

تجاهل المشكلة الحقيقية

واليوم، وبعد مئات الدراسات والتقارير، تخرج علينا وزارة المالية بتقرير لتنويع مصادر الدخل وترشيد الإنفاق العام في الدولة، أقل ما يوصف به، أنه فُصل خصيصاً ليضيف أعباء جديدة على المواطن، ويبتعد تماماً عن  جوهر عملية تنويع مصادر الدخل القائمة على خلق قطاعات اقتصادية جديدة تدر دخلاً على البلاد.

ووفقاً لتقرير وزارة المالية، فإن خطة تنويع مصادر الدخل تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الأول يتعلق بتنمية وتنويع الإيرادات العامة للدولة، والثاني يتناول الإجراءات التي تهدف إلى ضبط وترشيد الإنفاق العام، والثالث يتعلق برفع كفاءة الإنفاق العام.

وجاء في ختام التقرير المقترحات التي تهدف إلى المساعدة في بلورة تصورات عامة تساعد في دعم عملية تنويع هيكل النشاط الاقتصادي المحلي.

وسنتناول بالتفصيل كل مقترح من مقترحات تقرير وزارة المالية لتنويع مصادر الدخل على حدة، والتعقيب عليه، لتبيان هل فعلاً هذه المقترحات في صالح المواطن أم لا، كما يدعي وزير المالية، وأول هذه المقترحات تنمية وتنويع الإيرادات العامة للدولة، والذي رأت الحكومة، ممثلة في وزارة المالية، أنه يتم من خلال الآتي:

– مراجعة آليات تسعير السلع والخدمات العامة التي يتم تقديمها في الوقت الحالي لتعزيز الإيرادات غير النفطية.

– إجراء مراجعة شاملة للرسوم التي تتقاضاها الدولة، مقابل الخدمات التي تقدمها، والأراضي التي تؤجرها.

– إدخال الضرائب على أرباح الشركات، وذلك بتوحيد الضريبة على الأرباح التي يقتصر تطبيقها في الوقت الحالي على الشركات الأجنبية، لتمتد أيضا إلى الشركات الوطنية.

– النظر في فرض بعض أشكال الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك أو المبيعات، خصوصا بالنسبة للسلع غير الضرورية وسلع الاستهلاك التفاخري.

–  وضع رسوم على استخدام بعض الطرق الرئيسة تتم جبايتها الكترونيا على النحو المعمول به في دبي.

–  سرعة تحصيل المتأخرات المختلفة من مستحقات الدولة على الأفراد والجهات المختلفة في الوقت المناسب.

السلع والخدمات

وبالنظر إلى البنود التي جاءت في المحور الأول (تنمية وتنويع الإيرادات العامة للدولة)، نجد أن غالبيتها تمس بشكل مباشر وغير مباشر المواطن محدود الدخل، في الوقت الذي يتحدث فيه وزير المالية عن أنه “لا مساس بأصحاب ذوي الدخول المحدود”، فالبند الأول من بنود التقرير، هو مراجعة آليات وتسعير السلع والخدمات، وستتم إعادة تسعير تلك السلع والخدمات على النحو الذي يعكس تكلفتها الحقيقية.. وبديهياً، ومن دون تفكير أو تحليلات اقتصادية، هذا يعني ارتفاع أسعار السلع والخدمات كافة، وهذا الأمر أول مَن يكتوي بناره هم محدودو الدخل، الذين لا يقدرون على شراء السلع، أو دفع قيمة الخدمات وفق الأسعار الجديدة، وإذا كانت الحكومة تبحث عن تعزيز الإيرادات غير الضريبية وتنويع مصادر دخل الخزانة العامة للدولة، كما تقول، فعليها أن تخرج من نمط التفكير التقليدي، وتفكر في حلول اقتصادية حقيقية، غير تلك التي تزيد معاناة المواطن.

الشركات  والطرق

ومن المقترحات التي ستتسبب في إشعال نار الأسعار، أيضاً، عزم الحكومة فرض ضرائب على الشركات المحلية، أسوة بالشركات الأجنبية.. وعلى الرغم من أننا نتفق مع هذا البند، فإن الحكومة عليها قبل تنفيذ هذا البند، أن تجد الوسيلة الكفيلة لحماية المواطن، فأي أموال إضافية ستتحملها الشركات، ستدفعها إلى زيادة أسعار السلع والخدمات التي تقدمها، وبالتبعية سيتحملها المواطن، وما تقوله الحكومة من أنها ستحمي المواطن من هذه التبعات وحديثها الدائم عن تشديد الرقابة على الأسواق والشركات، فهو كلام مكرر، والكل يعلم جيداً أن الحكومة لن تستطيع تنفيذه، وما حدث من عدم قدرة الحكومة على ضبط الأسواق، وعدم قدرتها على السيطرة على الشركات عقب رفع أسعار الديزل مثال ليس ببعيد.

أما المقترح المضحك، فهو وضع رسوم على استخدام بعض الطرق الرئيسة تتم جبايتها الكترونياً في هذه الطرق على النحو المعمول به في دبي، وكان على وزارة المالية قبل أن تعطي المثال بدبي في جباية رسوم على الطرق، أن توفر طرقا أو خدمات مثل تلك التي موجودة في دبي، فالجميع يعرف البنية التحتية المتهالكة للكويت، والطرق المتهالكة والمتردية التي نسير عليها، وأزمة الحصى المتطاير ما زالت بقاياها موجودة، وما زال الجميع يعاني الطرقات المتردية التي تكلف الشركات والأشخاص الكثير من المبالغ والأموال في عمليات الصيانة، وعلى الحكومة قبل أن تفكر في جباية الأموال، أن تحسن الخدمات، حتى يدفع المواطن والمقيم أي أموال وهو راضٍ، لأنه يجد مقابلها خدمات مميزة.

وبخصوص المحور الثاني الذي تناوله التقرير، وهو ترشيد الإنفاق العام للدولة، وذلك من خلال:

● وضع حدود قصوى على الوظائف الجديدة التي يتم فتحها بالقطاعين الحكومي والعام.
● ترشيد الدعم الحكومي عن طريق إعادة هيكلة نظام الدعم الحالي، والذي يتصف بأنه معمم ويستفيد منه الجميع.
● قصر الدعم على مجموعة محددة من السلع الأساسية للمواطنين، بحيث يقتصر الدعم على مجموعة منتقاة من السلع الضرورية جداً.
● تسعير السلع والخدمات على أساس قيمتها السوقية، وبيعها للجميع، القادرين وغير القادرين، بتكلفتها الحقيقية، ثم تعويض غير القادرين بصورة مباشرة، من خلال تقديم الدعم النقدي.
● إيقاف كافة أشكال الدعم غير المباشر الذي يستفيد منه جميع المستهلكين، بغض النظر عن دخولهم.
●  العمل على دمج وإلغاء بعض الهيئات والوزارات والإدارات العامة.
● ترشيد المهام الرسمية والعلاج بالخارج.
● النظر في خطط الابتعاث الحالية للطلبة في مرحلة البكالوريوس إلى الخارج.
●  الحد من الأوامر التغييرية في المشروعات العامة، وعدم التساهل في رفع النسب المقررة.
●  ترشيد مساهمة الكويت للعديد من المنظمات الإقليمية والدولية.

المواطن.. عدو

 الملاحظ أن جميع البنود التي وردت في المحور الثاني (ترشيد الإنفاق العام للدولة) ذهبت إلى تقليل أو إلغاء الدعم على بعض السلع والخدمات المقدمة للمواطن، باستثناء ثلاثة أو أربعة بنود تتعلق بالمهمات الرسمية والمساهمات الخارجية للكويت، وكأن المواطن هو العدو الأول للحكومة، وهو سبب فشل الحكومة في تنويع مصادر الدخل طيلة كل هذه السنوات الماضية.

إن التقرير الذي أعدته وزارة المالية يكشف بوضوح عجز الحكومة وفشلها الكبير في خلق قطاعات اقتصادية مرادفة للقطاع النفطي تدر دخلاً على البلاد، ثم تأتي في النهاية وتعلق هذا الفشل على المواطن، أو بالأحرى تسعى لمعاقبة المواطنين، فالأمر لا يحتاج إلى خبراء اقتصاديين أو محللين، ليوضحوا لنا أن كل هذه البنود، حال تطبيقها، ستشعل موجة غلاء غير مسبوقة في البلاد، وستصبح طبقة القادرين التي ترغب الحكومة في عدم حصولها على الدعم هي القادرة فقط على العيش في هذا البلد.

دول الجوار

والأمر الملفت في تقرير وزارة المالية، هو عدم التطرق نهائياً لتنويع مصادر الدخل الحقيقي القائم على أسس اقتصادية حقيقية، وخلق قطاعات جديدة موازية للقطاع النفطي، مثلما فعلت دول الجوار، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي تنتقل من نجاحات اقتصادية إلى أخرى، وأصبحت كل قطاعات الدولة تساهم في النهوض الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، فخلال العام الماضي حققت المملكة معدلات نمو متميزة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بفضل النشاط الصناعي، الذي نما بنسبة 6.5 في المائة، ليصبح ثاني أقوى الأنشطة الاقتصادية أداء في السعودية خلال 2014، وتخطط المملكة لرفع نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج القومي إلى 20 في المائة، ارتفاعاً من 11 في المائة التي تم تسجيلها العام الماضي، كذلك الأداء القوي للقطاع الخاص، الذي سجل نموا نسبته 5.7 في المائة، وكان له دور كبير في دفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في المملكة، والمثال الآخر هو دولة الإمارات العربية المتحدة، التي نجحت خلال سنوات في أن تكون نموذجاً يحتذى به في تنويع مصادر الدخل والاستفادة من النمو في القطاعات غير النفطية، ولاسيما السياحة، بجميع أنواعها، الترفيهية والرياضية، وكذلك سياحة المؤتمرات والمعارض والسياحة العلاجية.. أما قطر، فقد بلغت إيرادات القطاع غير النفطي فيها نسبة 18 في المائة من إجمالي الإيرادات، وحصلت السياحة على حصة مؤثرة منها، مع الأخذ بالاعتبار تشابه الظروف المناخية والاجتماعية بين الكويت وكل من الإمارات وقطر.

جباية الأموال

أما نحن في الكويت، فنبحث عن تنويع مصادر الدخل للدولة، من خلال جباية الأموال من المواطنين، وإلغاء الدعم عن سلع تقدم للمواطنين، هو في أمسّ الحاجة إليها، وما يُثير الاستهجان، حديث وزير المالية عن الترشيد ووضع حدود قصوى على الوظائف الجديدة التي يتم فتحها بالقطاعين الحكومي والعام، من أجل ترشيد الإنفاق العام للدولة، في حين أن الحكومة تتمادى في البذخ والإهدار المالي من غير حساب، ولا أدلّ على ذلك من الأرقام التي ذكرها وزير النفط، د.علي العمير، والتي تؤكد إنفاق 2.5 مليون دينار(ما يعادل 8.6 ملايين دولار) مهمات سفر لموظفي شركة البترول الوطنية لمشروع الوقود البيئي، كما أن تنقلات وسفريات وزير المالية نفسه، بسبب ومن دون سبب، تكفي لتعيين عشرات الشباب سنوياً.

وكان الأجدر بوزير المالية إعداد دراسة شاملة لتنويع الاقتصاد (على الرغم من أن هناك دراسات متعددة في هذا الشأن)، لا “سلق” دراسة للتضييق على المواطنين، وإذا كان الوزير يلقي باللوم في عملية التنويع الاقتصادي على وزارات أخرى، فعليه أن يلوم نفسه أولاً، فقد كان لسنوات وزيراً للتجارة والصناعة.. تلك الوزارة التي كان يمكنها أن تطور أهم قطاعين يساهمان في تنويع مصادر الدخل، وهما قطاع الصناعة والسياحة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *