الرئيسية » آخر الأخبار » خصخصة الجمعيات التعاونية تحقق أحلام البعض في السيطرة على الأسواق

خصخصة الجمعيات التعاونية تحقق أحلام البعض في السيطرة على الأسواق

خصخصة «التعاونيات» حلقة جديدة من مسلسل التنفيع
خصخصة «التعاونيات» حلقة جديدة من مسلسل التنفيع

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
مجدداً، تصرُّ وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وزيرة الدولة لشؤون التخطيط والتنمية، هند الصبيح، على الدفاع عن موقفها في خصخصة الجمعيات التعاونية، مؤكدة أن العمل يسير كما هو في الدراسة التي تعد بهذا الشأن، متذرعة بأنها تمضي في هذا الأمر، من أجل القضاء على  الفساد المستشري في هذه الجمعيات.

فوفقاً لما ذكرته الوزيرة، فإن «الخصخصة ستقضي على 50 في المائة من الفساد، ولا يعلم أحد ماذا ستفعل في الـ 50 في المائة الباقية.

وقد عاودت الحكومة مجدداً – على لسان الوزيرة – الحديث عن خصخصة الجمعيات التعاونية، إذ أعلنت الوزيرة خلال لقائها مع محافظ العاصمة، الفريق ثابت المهنا، ومختاري مناطق المحافظة، بحضور قياديين من وزارة الشؤون والهيئة العامة للقوى العاملة، الأسبوع الماضي، «أن خصخصة الجمعيات التعاونية تأتي وفق توجه الدولة لإشراك القطاع الخاص في كافة قطاعات الدولة، بما فيها الجمعيات التعاونية».

هند الصبيح
هند الصبيح

إصرار

حتى الآن، لا نعلم لماذا تصرُّ الحكومة على هذا الأمر، الذي يشكل مزيداً من الضغط على المواطنين وإرهاقهم مالياً، ومزيدا من الغلاء في البلاد، ومزيدا من الاحتكار وهيمنة الرأسماليين على قطاع من أهم قطاعات الدولة، في وقت تعاني فيه البلاد من الغلاء وسيطرة الشركات الكبرى والتجار على مقدَّرات الدولة، وكثير من وكالات السلع والمنتجات والخدمات والامتيازات الاحتكارية.

ففي الوقت الذي من المفترض أن تعمل فيه الحكومة على بحث كيفية الحد من ارتفاع الأسعار، الذي تؤججه كل يوم بالقرارات العشوائية التي تتخذها، نجد أنها تتخذ مواقف مغايرة، وتصر على وضع المواطن تحت رحمة وهيمنة الشركات والتجار.

إن ما تغافلت عنه الوزيرة عندما أخذت تعدد سلبيات الجمعيات التعاونية، ترويجاً لعملية الخصخصة، هو أن موضوع خصخصة التعاونيات لا يهم التعاونيين فقط، بل يهم كل مواطن ومقيم على أرض الكويت، إذ إن هذه الجمعيات هي ملاذ الجميع، للهروب من نار الأسعار في الأسواق التجارية الخاصة، كما أنها تمثل قطاعاً مهما من قطاعات الدولة، وإذا تم تخصيصها، فلن تؤدي دورها الاجتماعي للمواطنين، لأن القطاع الخاص يسعى إلى الربحية، ولا يركز على الدور الاجتماعي أو الخدمي.

وعلى الرغم من إقرار الوزيرة أن «فكرة خصخصة التعاونيات» لا تعدو كونها دراسة حتى الآن، يتم خلالها رصد السلبيات والإيجابيات، إضافة إلى دراسة التشريعات والأفكار وطرق التطبيق»، فإن هناك تخوفا لدى الكثيرين من هذا الأمر، فكل المصائب التي قامت بها الحكومة وجاءت بنتائج سلبية على المواطن بدأت بفكرة، ومشكلة رفع الدعم عن الديزل ليست ببعيدة، فقد بدأ موضوع رفع الدعم عن الديزل بفكرة، وتحوَّلت الفكرة في النهاية إلى قرار، ثم أصبح القرار مصيبة وكارثة على الجميع، ولم تدر  الحكومة كيف تعالج هذه الكارثة إلا بالحلول الترقيعية.

ترويج

إن الواقع يؤكد أن الحكومة ماضية في هذا الأمر إلى النهاية، وما يدلل على ذلك الترويج الذي تقوم به الوزيرة في كل مناسبة أو حدث للمشروع، وعلى الجانب الآخر تعدد سلبيات الجمعيات التعاونية والعمل التعاوني، حيث أكدت في أكثر من مناسبة «أن الدراسة التي أُجريت على الجمعيات التعاونية خلال الأعوام العشرة السابقة أظهرت مدى الفساد المستشري بداخلها، والذي يزيد يوماً بعد يوم، في ظل ضعف عمليات الرقابة من الدولة»، وهذه المقولة وحدها تكفي لأن نفهم أن الحكومة ماضية في هذا الأمر إلى نهايته.

ورغم هذا الإصرار على المضي قدماً في مشروع الخصخصة الذي لا يحتاج إلى تأكيد أنه ضد المستهلك، نجد الوزيرة تؤكد «أن الأهم لديها هو المستهلك، لا مجالس الإدارات أو التجار»، مشيرة إلى أن «الهدف من الدراسة حماية المستهلك من غلاء الأسعار، وضمان استمرار الخدمات التي تقدم للمناطق»، وهذا بلا شك كلام غير مقنع، ولا يمكن أن يقبله العقل، فكل وزير أو مسؤول يُقدم على خطوة كارثية يردد على مسامعنا هذا الكلام، وإذا كان هدف الوزيرة فعلاً «حماية المستهلك من الغلاء وجشع التجار»، فعليها أن تشدد الرقابة على هذه الجمعيات، وتحيل أي مجلس إدارة يثبت تلاعبه أو عدم نزاهته إلى الجهات المختصة، بدلاً من التوجه إلى خصخصة الجمعيات، وتسخير إدارات كاملة لعمل دراسات عن فشل هذه الجمعيات في إطار الترويج لمشروعها، والجزم بأن الخصخصة هي الحل الوحيد، فالدواء دائما يكون أول طريق العلاج، وليس البتر، والوزيرة لم تجرب الدواء أو العلاج، وإنما توجهت مباشرة إلى البتر.

الدراسة

إن دراسة خصخصة الجمعيات التي تطالب الوزيرة انتظار نتائجها، نستطيع أن نقول عليها من الآن إنها ما هي إلا تنفيع لكبار التجار، وإضرار بكل المساهمين والمواطنين، وهذا المشروع ما جاء إلا ليلبي أحلام الشركات والتجار، وسعيهم للسيطرة على أكبر منافذ التسويق التجارية في البلاد والسيطرة على أكثر من 650 منفذا تسويقيا، منها 70 سوقاً مركزياً، وبالتالي السيطرة على دعامة اقتصادية مهمة في الاقتصاد الكويتي، فحجم مبيعات هذه المنافذ والأسواق يتجاوز الملياري دولار سنوياً، لذلك هناك مَن يخطط للسيطرة والهيمنة على هذا المورد المالي المهم. لهذا، لابد أن تبقى الجمعيات التعاونية بيد الدولة، ولا يجوز أن يتحكم بها أفراد، ليتحكموا في أسعار السلع والمواد الغذائية، فهذه الجمعيات هي الملاذ الأخير أمام المواطن والمقيم في وجه تحكم واحتكار التجار للمواد والسلع الغذائية، وإذا كانت الجمعيات يشوب عملها بعض الشوائب، فعلى الحكومة ومجلس الأمة تعديل القوانين والنظم واللوائح التي تحكم عملها للارتقاء بها وتحسين أدائها وتقوية دورها.

هيمنة

المؤكد أن الحكومة وفق هذا النهج ترسخ يوماً بعد الآخر هيمنة الشركات الكبيرة والتجار والرأسماليين على القطاعات المهمة في الدولة، من دون اعتبار لما حدث سابقاً، خصوصاً في قضية الخصخصة، إذ إن تجارب الحكومة مع الخصخصة كفيلة بأن تجعلها لا تفكر مطلقاً في هذا الأمر.. ولكن للأسف، الحكومة تعاند وتكابر وتصر على تكرار هذه التجربة، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والمواطنين، فالأمر الذي لا يحتاج إلى تأكيد، هو أن أياً من القطاعات التي تم تخصيصها، حتى وإن كانت قليلة، فإنها لم تحقق أي تقدُّم، وفشلت في رفع كفاءة الإنتاج، أو استقطاب عمالة وطنية، بل على العكس، تم طرد ما فيها من عمالة وطنية.

إن مصلحة المواطن والمقيم ومصلحة البلاد تحتم على الوزيرة العدول عن هذا التوجه الذي تطرحه وتروج له في كل مناسبة تحت ذريعة واهية، هي وجود فساد في إدارة عدد من الجمعيات، فإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فعلى الوزيرة أن تتحلى بالإرادة السياسية لإصلاح هذا الفساد والقضاء عليه، وهي بلا شك تملك الكثير من الأدوات التي تمكنها من القضاء على أي فساد إداري أو مالي تعانيه الجمعيات، وهذا في الأساس دور وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وليس دورها بيع ما لا تملك لتحقيق تطلعات البعض، وتصفية القطاع التعاوني بأكمله وخصخصة الجمعيات، وتحويلها إلى شركات تجارية رأسمالية خاصة، لا هدف لها غير الربح والمزيد من الربح، من دون تأدية أي وظيفة اجتماعية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *