الرئيسية » آخر الأخبار » حضور العربي في السرد الغربي.. صورة نمطية رسخها الاستشراق كانعكاس للصراعات السياسية

حضور العربي في السرد الغربي.. صورة نمطية رسخها الاستشراق كانعكاس للصراعات السياسية

ابتهال الخطيب تتوسط إكرام الشريف وإبريل ناجاج في الجلسة
ابتهال الخطيب تتوسط إكرام الشريف وإبريل ناجاج في الجلسة

كتب محمد جاد:
ضمن ندوة مهرجان القرين الثقافي الـ 21، التي تناولت صورة العربي والخليجي في السرد، عقدت جلسة نقاشية مهمة تحت عنوان «صورة العربي في السرد الغربي المعاصر». وتنبع أهمية هذه الجلسة، نظراً لما تم تنميطه في الغرب منذ زمن لصورة العربي، وما تبع ذلك من تغيُّرات اجتماعية وسياسية، أو بمعنى أصح صراعات ما بين الشرق والغرب، كان السرد الروائي من أهم الحقول الكاشفة لهذه الصراعات.

تناولت الأوراق البحثية آداب الغرب مختلفة اللغة، كمحاولة لتقديم صورة شاملة للعرب، من خلال هذه اللغات.. ورغم الاختلافات الظاهرية في التناول، فإن الباحثين كادوا أن يُجمعوا على ترسيخ صورة النمط للعربي الشره للرغبات، كالطعام والجنس، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، التي يبدو فيها العربي النموذج المثال للتطرف والإرهاب وسفك دماء الأبرياء.

شارك في الندوة كلٌ من أستاذة اللغة الفرنسية في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا د.منال حسني، أستاذة التاريخ في جامعة بوسطن د.إبريل ناجاج، الأستاذة المساعدة في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا د.إكرام الشريف، أستاذ الأدب المقارن في جامعة القاهرة د.أحمد عبدالعزيز، وأستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة د.خيري دومة.

مجرد شخصية ثانوية

يُشير د.خيري دومة إلى أن الصورة النمطية التي ترسخت في الوعي الأوروبي منذ العصور الوسطى تتجلى في الرواية، من خلال رؤيته كشخصة ثانوية، لا يتمحور حولها العمل الروائي، وهي نظرة بنائية في الرواية، مُستمدة من الواقع، بأن العربي مجرد شيء أو عالة على حضارة الغرب. ومن ناحية أخرى، صنع العرب للغرب صورة ذهنية بالمقابل، فهو/الغرب مغتصب الأرض والمحتل.

هذه الصورة المتبادلة بين الطرفين ترسخت من خلال صراعات عسكرية وسياسية، وآليات هيمنة يُمارسها الغرب منذ أن أصبح يتصدَّر الرَكب الحضاري، وبالتبعية أصبح العرب مجرد مسوخ وتابعين لها. وتطورت هذه الصورة منذ العصور الوسطى، فكان العربي هذا البدائي، الباحث عن رغباته بشتى الطرق، والجنسية منها بوجه خاص، وصولاً إلى أحداث 11 سبتمبر وقد أصبح أصولياً وإرهابياً، مهمته سفك الدماء وإفساد الحضارة ومحاولة هدمها.

الإعلام والثقافة الشعبية

وتشير د.إكرام الشريف في بحثها المعنون بـ «المسلمون في الأدب الإنجليزي من القرن الـ 16 حتى الـ19» إلى أن الخلط بين المصطلحات ومدلولاتها ما بين العربي والمسلم والشرق أوسطي، هو ما شكّل من هؤلاء تكويناً واحداً، وهو أمر مخالف للحقيقة، هذا المدلول الذي لم يختلف منذ تأصيله، نتيجة الأبحاث الاستشراقية وعصور القرون الوسطى، وصولاً إلى وسائل الإعلام الحديثة، التي لا تزال تبث في عقول أفراد الشعب تأكيدات على هذه الرؤية المغلوطة، وبالتالي، فكل مَن ينتمي لهذه المنطقة يحمل صفة الشرق، والذي يتميَّز بالأساطير والخرافات والعقل البدائي وتبعاته، وهي كلها صفات سلبية تطمئن الغربي على صورته الذاتية، ويصبح الشرق وأهله مجرد مكان خصب لبشر لا يعرفون سوى القتل والاغتصاب والتعصب الديني، إضافة إلى دور المرأة وصورتها كمجال للمتع الحسية، من دون أن تكون إنساناً كاملاً يمتلك عقلاً، وحتى إن امتلكته، فإنها تصبح مكمن الشر وحالة للإغواء أو السِحر، وهو ما تعكسه السينما عبر تاريخها في شكل أوضح وأشد صراحة.

العصور الوسطى واستعمار العصر الحديث

النظرة نفسها يوضحها د.أحمد عبدالعزيز، في بحثه «صورة العربي في الرواية الإسبانية المعاصرة»، إلا أنه يلفت إلى أن بداية تأصيل هذه الصورة نتج عن الحروب الدينية بين المسلمين والمسيحين، وعودة الأندلس أو سقوطها – وفق وجهة نظر الغالب والمغلوب – وهو ما تجلى في الأغنيات الشعبية الإسبانية التي جسَّدت هذا الصراع في الوعي الشعبي، وصولاً إلى العصر الاستعماري الحديث، والنظر إلى العربي المسلم من وجهة نظر استشراقية، إلا أن ما يختلف في حالة الأدب الإسباني (شعر، رواية، قصة) أن هناك مَن أنصف صورة العربي، من خلال المستعربين الإسبان الجدد في منتصف القرن العشرين.

العدو الأول

ومن السرد الإسباني وأنواعه، إلى السرد الأميركي، وهو البحث المقدَّم من د.إبريل ناجاج، بعنوان «العربي في الرواية الأميركية»، التي ترى أن النظرة إلى الشرق من قِبل الأميركيين كانت نتاج النظرة الاستشراقية الغربية، إضافة إلى الثنائية التي تحملها الروح الأميركية من النظر عبر منظور الرجل الأبيض للأسود، المتحضر والبدائي، النظرة نفسها لم تتغيَّر، وخاصة أن العربي المسلم أخذ دور مواطن الاتحاد السوفييتي، بعد انهيار الآخير، وأصبح هذا الذي يأتي من الشرق هو مصدر كل الشرور والعدو الأول للمواطن الأميركي، وهو ما تأكد من خلال أحداث 11 سبتمبر.. هؤلاء أصبحوا في القصص الشعبي والرؤية السردية الأميركية يبدون كأشخاص في غاية السوء، لذلك كان الشكل الروائي المناسب لهم هو الروايات السياسية وروايات الجاسوسية.

تحصين الذات

وفي النهاية، تشير د.منال حسني إلى أن علاقة فرنسا بالعالم العربي تعود إلى زمن طويل، كما أن لها طابعاً خاصاً، ساعد على تصدير صورة العربي إلى الغرب كله، وكان العربي هو الوجه الذي أراد الفرنسيون وأوروبا أن يشوهوه لصالح الفوز بذاتهم المتفوقة، وبذلك، أصبح العربي هو الحامل لجميع الصفات الإنسانية السيئة، فهو صورة سالبة من الذات الفرنسية/الأوروبية، إلا أن الرؤية الفرنسية تتغيَّر من زمن لآخر، إضافة إلى أصل الشخص العربي، ومدى علاقته بفرنسا كدولة، روحاً وفكراً، لما لها من مكانة متميزة بين الدول الغربية وفي تاريخ الحضارة بشكل عام.

ومن ناحية أخرى، تشير منال حسني إلى أن بدايات ظهور العربي في السرد الفرنسي مرتبطة بالشخصية الجزائرية، التي صدَّرت صورة نمطية لأغلبية العرب في وعي الفرنسيين.

كلمة أخيرة

من الملاحظ على الأوراق المقدَّمة، أنها تأخذ وجهة النظر نفسها عند النظر إلى الغرب، الذي إن كان يرى العربي في صورة مغلوطة، إلا أن العرب بدورهم يرون الغرب في صورة أشد مغايرة، ومن ناحية أخرى يدور السؤال عن دور العرب أنفسهم في ترسيخ هذه الصورة ــ المغلوطة ــ في الوعي الغربي، وماذا فعلوا لتغيير هذه الصورة، وتوضيح حقيقة العربي أو المسلم؟

النظرة مُشتركة إلى حد كبير، وإن كان الغرب تجنّى على العرب في ما سبق، إلا أن العرب في العصر الحالي شاركوا، عن طيب خاطر، في تحديد تفاصيل هذه الصورة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *