الرئيسية » ثقافة » كتاب «الدولتان.. السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام» لبرتران بادي: النُخب العربية فشلت في نقل الحداثة السياسية.. وهذه هي الأسباب!

كتاب «الدولتان.. السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام» لبرتران بادي: النُخب العربية فشلت في نقل الحداثة السياسية.. وهذه هي الأسباب!

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كتب المحرر الثقافي:
برتران بادي.. باحث سوسيولوجي فرنسي، لديه العديد من المؤلفات المهمة في مجال الاجتماع السياسي، منها.. الدولة المستورَدة، والدولتان/ السُلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام، وفي الكتاب الأخير ناقش بادي السؤال، الذي لم يزل يشغل ذهن البعض في المجتمعات العربية، وهو: لماذا تطورت الدولة في أوروبا من دولة «الأمير/ الملِك، ومن الإمبراطورية إلى دولة الحداثة السياسية، أي دولة القانون والمؤسسات، بينما فشلت الدول الإسلامية في الوصول إلى هذا الشكل المتطور من أشكال الدولة، التي تستمد الشرعية من كونها تمثل إرادة الشعب، والمعبّر عنها بواسطة انتخابات حرة، وتعمل لخدمة المصلحة العامة، وكل من الشعب والمصلحة العامة هما أساس اكتساب شرعية الدولة، أياً كان شكل الحُكم فيها؟

المؤسسة الدينية كتابع للسلطة السياسية

يرى بادي أن الصراع بين الأمير/ السلطة السياسية والكنيسة خلال القرون الوسطى، كان من نتائجه ظهور (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو، حيث يقول: «إن سلطة الكنيسة من الله، وبالتالي فهي أعلى، بينما سلطة الأمير من الشعب، فهي بذلك أدنى، وعليه، فالأمير يمكن عزله إذا لم يعمل لخدمة الشعب ولفائدة المصلحة العامة».

أما في بلاد الإسلام، فلم يحدث تحول تاريخي وقطيعة بين الأمير والدولة، وهذا راجع بالأساس إلى خلو هذه البلاد من مؤسسة دينية مستقلة تضاهي الكنيسة، وبالتالي خلو التاريخ الإسلامي من صراع بين المؤسستين الدينية والمدنية.

هذا عن الماضي، أما بالنسبة للحاضر، فإن المؤلف يرى أن النخب العصرية العربية فشلت في استيراد الحداثة في بلدانها بسبب جمود المجال السياسي في هذه البلدان منذ عهد القرون الوسطى.

التجديد الكلاسيكي!

ويستطرد بادي شارحاً ضربة الحداثة، التي طالت العالم الإسلامي، بعد صعود الغرب، وبعد سيطرة القانون الغربي والرؤية الغربية، «لذا سيخضع مطلب الحداثة إلى شكل جديد في العالم الإسلامي، وسيظهر رجال، مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، مقدمين رؤية جديدة للحداثة، مفادها أن الاقتداء بالغرب مرفوض، وغير مجد، وشددوا على استبعاد الآخر كنموذج، وعلى بناء صيغة جديدة للحداثة، وعلى إعادة فتح باب الاجتهاد لتكييف الشريعة مع المعطيات الجديدة، وأعادوا تجديد رؤية كلاسيكية (عن أمير مقيّد بواجب احترام القوانين، وبمجلس يرتبط بمبدأ الشورى أكثر من ارتباطه بمبدأ السيادة)، وكان مثال محمد عبده (أميراً عادلاً، وليس أميراً ديمقراطياً)، واعترف للشعب بالحق في طلب العدالة، وليس بحق السيادة».

تعمق الرفض الحداثي أكثر حينما ارتبط بالاستعمار، فلم يكن من السهل الفصل بين دولة استعمارية ونظامها الديمقراطي الخاص، الذي من الممكن الاقتداء به، حتى في حالة الاستعمار الناعم ــ الاقتصادي دون العسكري ــ وهو ما أثار حذر المجتمع التقليدي، خصوصاً بعد أن وجدت الدول الغربية مصلحتها في الحث على التحديث ــ المُصطنع ــ فهي لم تقف إلا مع تحديث يقود إلى التبعية، وتحارب أي نموذج حداثي لا يتماشى مع مصلحتها، فأصبح التحديث والمناداة به محصور في دائرة ضيقة، مشكوك بها في الأساس، وحتى وقتنا الراهن، لذلك، فمحاولات التحديث انتهت بالفشل.. فشلت السلطة التقليدية/ الدولة العثمانية أو الأمير في فرض لعبة سياسية حديثة، مما سمح باستمرار الثقافات المذهبية، وفشل أصحاب التحديث، الذين جعلوا من الحداثة هويتهم المميزة، وفشلت المعارضة المتأسلمة، التي استمدت حججها من سلبيات التحديث، لأنها بالأساس تتجه إلى السلطة على حساب مشروعها التجديدي، فلم يبق لديها ما يحقق هويتها سوى المجال الرمزي الوحيد.. التشديد على اللباس أو على الأخلاق.

الثقافة الإسلامية العربية وحركات الرفض

يرى بادي أن جوهر الثقافة الإسلامية العربية هو الذي عطّل التطور في شكل وماهية الدولة والسلطة من حيث تراتبيتها وإلى أي نظرية سياسية تستند ــ سيادة شعب أم سيادة أمة على سبيل المثال ــ إضافة إلى الدور الغربي في إجهاض المشروعات التحديثية في العالم العربي والإسلامي، حتى يظل يدور في فلكها، وبالأخير، فالتمايزات الحضارية التي تحكم كلتا المدنيتين .. الإسلامية والمسيحية في العصر الوسيط، هي التي ضبطت تطورهما اللاحق، ومنعت العرب والمسلمين من الانخراط في الحداثة، أي.. منعت بناء المجال السياسي المستقل، وجعلت المعارضة تدور في حلقة الرفض المطلق، ذلك ما يفسر تركز الحركات الاعتراضية، التي يشهدها العالم العربي والإسلامي في الحركات المتطرفة، التي تتجه بمعارضتها ليس إلى السلطات السياسية وحدها فحسب، ولكن أيضاً إلى النخب العصرية وحكوماتها وبرلماناتها..

لقد فشلت تلك النخب، كما فشلت أيديولوجياتها المنقولة والمستوردة للحداثة السياسية الغربية، ولم يبق أمام الجمهور إلا موروثهم المتمثل في الدين، ومن هنا كانت (الصحوة الإسلامية) المعاصرة.. ومن هذا المنظور يبدو صعود حركات التأسلم اليوم، كمظهر لجوهر الثقافة الإسلامية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *