الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : الخوف أن تتحول الكويت لـ «محاصة» يتحكم فيها المفسدون

عبدالله النيباري : الخوف أن تتحول الكويت لـ «محاصة» يتحكم فيها المفسدون

عبدالله النيباريالفساد بين أعضاء مجلس الأمة ليس أمراً جديداً مستحدثاً، بل ظاهرة أخذت ملامحها في الانتشار من خلال الثراء الذي طرأ على بعض الأعضاء، بعد دخولهم مجلس الأمة، والتي انعكست في مجال استثماراتهم المتضخمة، وفي استحواذهم على مصالح ومنافع، كأراضي الدولة، والحصول على قروض من مؤسساتها والتوسط بمقابل في ترسية المناقصات، وتسريع الدفعات عن عقود المناقصات المنجزة، التي تتعمد بعض الجهات التأخر في تسديدها، كل ذلك معروف وتتداوله أحاديث الناس.

الجديد اليوم هو ما توفر من أدلة مادية ملموسة كشفت عنها البنوك عند إحالتها للودائع النقدية المليونية لبعض النواب، وهذه البنوك بطبيعتها مؤسسات متحفظة، إضافة إلى الضغوط التي واجهتها ومورست عليها لمنعها من الإقدام على ما قامت به، مما أعطى وزنا كبيرا لمصداقية أدلتها.

والجديد أيضا هو ضخامة المبالغ موضع الشبهة وكثرة عدد النواب المحالين إلى النيابة العامة والبالغ عددهم 13، وقد يرتفع إلى أكثر من ذلك في حال تقدمت بنوك أخرى . فلم يدر بخلد احد ان تصل المبالغ محل الشبهة إلى الملايين، بل عشرات الملايين، ولم يدر بخلد أحد أن يكون عدد المنتفعين بهذه الكثرة، ونتحدث هنا عن المكشوف وقد يكون المخفي أعظم .

خطورة إيداعات النواب المليونية لا تكمن في كونها جريمة فردية سواء كانت نتيجة غسل أموال أو رشوة سياسية، وإنما خطورتها وبشاعتها تكمن في كونها عملية افساد وتخريب للنظام السياسي الدستوري للبلد، وهو ثمرة جهد على مدى نصف قرن من الزمان، فقد كافح الكويتيون طيلة عقود للوصول إلى كيان دستوري للدولة، والدستور الكويتي لعام 1962 رغم ما يعتريه من بعض النواقص فإنه صرح شامخ لإرساء مشروع دولة القانون والمؤسسات، وعلى مدى عقود أيضا كافح الكويتيون لصيانة هذا الدستور والتصدي لمحاولات تقويضه بتعديلات تفرغة من مضامينه، والعمل على حسن تطبيقه.

واليوم نواجه بزمرة من الفاسدين والمفسدين والمرتشين والراشين ممن خانوا الأمانة وحنثوا بقسمهم يقومون بهدم هذا الصرح الذي مازالت آمال الشعب الكويتي متعلقة به وترنو إلى ترسيخه كأساس لتحقيق مشروع الدولة.

ان مكانة البرلمان الكويتي الذي يفترض انه يمارس التشريع والرقابة تكمن في ثقة المواطنين واحترامهم لهذه المؤسسة باعتبارها منبثقة من إرادتهم ومعبرة عن آمالهم ومكلفة بحماية مصالحهم وأموالهم.

ونقول مستدركين إذا ثبت وما انكشف حتى الآن من قيام 13 عضوا، والعدد قد يزيد بإيداع مبالغ بالملايين من مصادر غير مشروعة سواء دفعة واحدة أو دفعات متراكمة، سوف يؤدى إلى تداعيات سياسية وخيمة كشيوع اليأس والإحباط لدى المواطنين، والاستسلام أمام ضغوط الحاجة والإغراء، أو الجهل وضعف الوعي للإغواء من قبل الفاسدين والمفسدين، وهو أمر ينبغي الاعتراف بأن شيئا من ذلك شائع نسبيا، والخشية أن يكون ذلك هو النمط السائد، فإذا حصل ذلك، ماذا يبقى من آمال بناء دولة المؤسسات والقانون التي ترعى حقوق مواطنيها على قاعدة المساواة والعدل؟ إنه لأمر مخيف أن تتحول الكويت إلى شركة محاصة تحكمها ويتحكم فيها الفاسدون والمفسدون. ان ما نواجهه بانكشاف الودائع المليونية هو تحد لكل مؤسسات المجتمع ابتداء بالقيادة السياسية وبكل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وما يثير المخاوف الآن وفي غياب المجلس وعدم حرص الأعضاء على التواجد للتصدي لهذه القضية بدلا من الرحلات الى الخارج في زيارات لا أهمية ولا ضرورة لها ، ان يجري او ربما الشروع في اجراء ترتيبات لإخفاء معالم القضية وإيجاد سبل لطمطمتها.

فالحديث يجري عن عدم كفاية قانون غسل الأموال رقم 35 لسنة 2002 لمحاصرة الفاسدين والمفسدين والدخول في جدل قانوني لتشتيت أركان القضية، خاصة أن تجاربنا مع قضايا سراق المال العام والاستحواذ على أراضي الدولة بطرق غير مشروعة لم تؤد إلى استرجاع حقوق الدولة ولا إلى الاقتصاص من المعتدين عليها بسبب فساد المؤسسات التي تولت متابعتها، وعلى رأسها مجلس الأمة بأعضائه وحكومته . والآن وقد هزت بشاعة الايداعات المليونية وقبحها مشاعر الشعب الكويتي وحركت استقطابا شعبيا واسعا يستنكرها ويطالب بالمحاسبة الجادة والصارمة مما ألجم قوى الفساد التي لاذت بالصمت، لكنه صمت مؤقت يتحين الفرصة المناسبة للتحرك .

في هذه الاجواء فانه ليس أمامنا إلا رص صفوف القوى المناهضة للفساد، وفي مقدمتها الحراك الشعبي الشبابي لدعم موقف النواب المتصدين للقضية والضغط على النواب الذين لم يحددوا مواقفهم للانضمام اليهم .

وبالتأكيد مطلوب استكمال منظومة قوانين مكافحة الفساد، وهي قوانين كشف الذمة لمن يتولى وظيفة عامة بمن فيهم النواب والوزراء، وقانون الكسب غير المشروع المعروف بقانون من أين لك هذا، وتشكيل هيئة مكافحة الفساد، وهي اقتراحات بقوانين مطروحة في جدول أعمال المجلس. وليكن الاهتمام والتركيز على المحاسبة السياسية وكشف أصحاب الايداعات المليونية ومصادر هذه الاموال، الهدف الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه وتحاشي ما يؤدي الى تشتيت الانتباه وبعثرة الجهود. فنحن بصدد تطهير السلطة التشريعية والتنفيذية من الفاسدين والمفسدين وإبعادهم عن مواقع التحكم في مصير الأمة، وإزالة العار الذي ألصقته هذه الفئة بجبين الكويت أمام العالم .

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *