الرئيسية » ثقافة » «طشاري» الشعوب العربية والهروب القسري للمغتربات

«طشاري» الشعوب العربية والهروب القسري للمغتربات

رواية طشاري
رواية طشاري

محمد الغربللي:
ما بين فترة وأخرى، تنتقل الكاميرا التلفزيونية بين جمهور المشجعين الذين يتابعون فريقهم وهم على مدرجات الملعب.. ليسوا بالعشرات، بل بالمئات، إن لم نقل بالآلوف، ممن يتابعون ويشجعون الفريق العراقي في دورة أستراليا الآسيوية لكرة القدم.. لم يأتوا من العراق مباشرة قبل الدورة لتشجيع المنتخب، بل هم عدد من الجالية العراقية المقيمة في أستراليا، وحصلوا على الجنسية الأسترالية.. هم على هجرات متواصلة منذ عقود، ومنذ صعود القائد الضرورة إلى كرسي الحكم الدموي.. البعض هرب من الحرب البعثية العراقية – الإيرانية، التي زجت مئات الآلاف من العراقيين في أوارها.. تلك الحرب التي دامت ثماني سنوات عبَّر عنها الروائي العراقي نصيف فلك في روايته «خضر قد والعصر الزيتوني» أروع تعبير، حيث صور بعثية الحرب وتمجيد القائد تحت جماجم الضحايا.

وهناك آخرون هاجروا خلال الحرب من بلد الإبعاد الأول، إيران، بعد أن قام القائد بإبعاد آلاف الأسر العراقية ممن كانوا مسجلين ضمن التابعية الإيرانية اعتباراً من الجد الخامس.. قرار أصدره القائد الذي لا يعرف له جد، على الرغم من إنساب نفسه لنسل الرسول الكريم.. هؤلاء وعدد كبير منهم ممن لم يطب لهم المقام في دولة الإبعاد الأولى، غادروها لدول أخرى، وأعداد كبيرة منهم لجأت إلى أستراليا.

شر بريمر

بعدها استدار القائد من جبهة إيران إلى الكويت، بغزوه لها واحتلالها وضمها للأصل، كما هي مراسيمه التي توالت تباعاً منذ 2 أغسطس 1990، ومَن أدركوا أنهم سيكونون وقوداً لها من جديد هرب منهم من استطاع الهرب قبل اشتعالها، كحرب مختلفة عن تلك التي اشتعلت مع إيران، وسنوات الحصار كانت كافية لإضافة المزيد من المهاجرين.. لم يكن حصارا خارجيا فقط، بل داخلي أيضا في النظام نفسه، الذي كان لايزال يتمتع بكل رفاهية الحياة، بما في ذلك طلباته من المشروبات الروحية الفاخرة.. منهم مَن لم يذهب بعيدا في مكان اللجوء.. فغادر إلى سوريا ومصر واليمن والأردن ولبنان.. لعل الأيام تأتي بالخير، ولكن الخير لم يأتِ إلا بشر بريمر الحاكم الأميركي بعد عام 2003.

رواية خضر قد والعصر الزيتوني
رواية خضر قد والعصر الزيتوني

ضرب الطوائف

مراد السياسة الأميركية تقسيم العراق، بمكوناته العرقية والطائفية، إن لم يكن على الأرض، كما هي الحال بإقليم كردستان، الذي يشبه الدولة، بعلاقاتها وحكومتها وبرلمانها، فسيكون بالبنى الاجتماعية، بضرب الطوائف في ما بينها.. وبدأ الوضع يشبه الحرب الأهلية مع أجندات خارجية وضعت العراق كساحة حرب لها.. وزادت وتيرة اللجوء نحو الدولة القريبة والبعيدة و«تطشروا» ما بين قارات العالم، كما عبَّرت عن ذلك الأديبة العراقية المميزة أنعام كجه جي في روايتها التي صدرت العام الماضي، وتحمل عنوان «طشاري»، التي تتحدَّث فيها عن «تطشر» وتفتت الشعب العراقي في مختلف القارات على مستوى الشعب والأسرة الواحدة.. بعضهم في أستراليا وآخرون وصلوا إلى الولايات المتحدة، وتواصلهم يكون بالهاتف أحيانا أو بالإيميل.. نوع من تفتيت مكونات المجتمع وإذابتها في مجتمعات أخرى، بعيداً عن الوطن.. وقد يتذكرون كلمات الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حبه وشغفه للعراق حين أنشد:

حبيت سقمك عن بعد فحيني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
حبيت سفحك ضماناً ألوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه
على الكراهة بين الحين والحين

غرباء ومغتربون

فهؤلاء لم يفارقوا وطنهم إلا مكرهين، كما قال الشاعر، فارين من الحروب والبطش والاقتتال الداخلي، وليس حباً في الهروب أو السياحة الدائمة ما بين القارات.. هؤلاء غرباء عن أوطانهم التي غادروها على الرغم من تمتعهم بحياة هنيئة، قياساً بما تمر به البلاد العربية من مآسٍ.. وكما قال متشائما الشاعر الكبير أيضا بدر شاكر السياب عندما أنشد قصيدته «غريب على الخليج» أثناء وجوده في الكويت للمعيشة أو خلال فترة العلاج، وهو الذي كان لا يبتعد عن وطنه إلا مائة كيلومتر.. عندما قال:

جلس الغريب يسرح البصر المحير في الخليج
ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوة ومن الضجيج
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي عراق

لقد وجد الشاعر نفسه غريبا، على الرغم من القرب الجغرافي عن وطنه.. الآن لا ينظرون إلى الخليج، بل إلى محيطات تغربهم عن وطنهم وتفصلهم عن بقية أفراد أسرهم.. البعض في أستراليا وآخرون موزعون في الدول الأوروبية، وصولاً للولايات المتحدة خلاف الدول العربية الأخرى التي لاتزال أحوالها هادئة حتى الآن.. هذا هو «طشار» الشعوب.. بدأ في فلسطين، وامتد إلى لبنان والعراق وسوريا، وزادت قوته، وقد يصل إلى ليبيا.. فمن «يتطشر» بداية هي الشعوب، أما قيادات الضرورة، فتبقى مكانها!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *