الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : مسألة الهوية

سعاد فهد المعجل : مسألة الهوية

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

أحداث فرنسا الأخيرة، ومن بعدها بلجيكا ودول أخرى، شرقية وغربية، أصبحت تطرح وبقوة مسألة الهوية لدى إنسان العصر الحديث، وخاصة في ظل هذا الانفتاح والاندماج الثقافي الذي وفَّرته تكنولوجيا العصر الحديث وأدوات التواصل الاجتماعي والإلكتروني.

أمين معلوف، الكاتب والروائي الفرنسي – اللبناني، كتب في هذا الصدد كتابا بعنوان «الهويات القاتلة»، تمنى في ختامه أن يقرأه يوماً ما حفيده.

معلوف بدا متأثراً بأزمة الهوية، التي أدخلت بلده لبنان، كما يقول، في حرب أهلية طويلة، سقط فيها ضحايا أبرياء.

معلوف يطرح في كتابه بعض الإجابات عن أسئلة تم توجيهها له، شخصيا، حول هويته، وعمَّا إذا كان إحساسه الداخلي يقول له إنه لبناني، وهو بلده الأصلي، أم فرنسي، وفقا للبلد الذي هاجر إليه وهو في السابعة والعشرين من عمره.

ويقول: «هل أنا نصف فرنسي، وبالتالي نصف لبناني؟ لا أبداً، فالهوية لا تتجزأ ولا تتوزع مناصفة ولا تصنف في خانات محددة ومنفصلة عن بعضها البعض، وأنا لا أملك هويات متعددة، بل هوية واحدة، مؤلفة من العناصر التي صنفتها وفقاً لجرعة خاصة لا تتطابق مطلقاً بين شخص وآخر».

السؤال الأهم الذي يطرحه كتاب أمين معلوف، وهو السؤال الذي يتكرر يوميا، لماذا يرتكب كثير من الناس هذه الأيام جرائم كثيرة باسم هويتهم الدينية، الاثنية، الوطنية، أو غيرها؟ ومَن المستفيد من القتل على أساس الهوية الدينية، أو الاختلاف والصراع على أساسها؟ وإذا كان كل دين يرى في نهجه أنه هو الدين الصحيح، فكيف يمكن إنقاذ البشرية اليوم من خطر مثل هذه الهويات القاتلة؟ فاليهود يعتبرون أنهم شعب الله المختار، والمسلمون يرون أنهم خير أمة أخرجت للناس، والمسيحيون يقولون إنهم ورثة ملكوت المساوات والأرض، لأنهم يتعمَّدون بالماء والروح.

وفي ظل مثل هذا الاعتزاز والفخر بالهوية تضيع قيم التسامح والعفو والإحسان والمحبة التي أُرسلت للأنبياء وأُنزلت الكتب المقدسة لترسيخها بين البشر.

هناك عوامل كثيرة اليوم أثرت وتؤثر في مسألة الهوية والثقافة بشكل عام، هذه العوامل يعيشها اليوم جيل ما تحت الثلاثين، لكن أغلب مَن هم فوق هذه الفئة العمرية يجهلها أو يرفضها.. فبالإضافة إلى التواصل الإلكتروني، الذي جعل العالم قرية واحدة شبه متطابقة ثقافياً، هناك أيضاً موجات الهجرة البشرية، بحثاً عن العلم والعمل، والتي لا يمكن فصل آثارها عن أثر التدفق المعلوماتي. هذه العوامل ستتداخل قطعاً مع موروث ومفهوم الهوية التقليدي، وتلك مسألة لا خيار فيها على الإطلاق، فالحكمة تستدعي هنا الانحناء أمام العاصفة، لا التصدي لها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *