الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : موقعة «شارلي إيبدو»

حبيب السنافي : موقعة «شارلي إيبدو»

حبيب السنافي
حبيب السنافي

إن كان هناك مَن يستحق أن يوجه إليه إصبع الاتهام بالمسؤولية عمَّا جرى من أحداث دامية في فرنسا، بالاعتداء على الصحيفة الساخرة «شارلي إيبدو»، فهي الأنظمة العربية، وحكوماتها الشاذة عن مسار الديمقراطية، التي لا تعرف من الديمقراطية سوى اسمها، وحرمت المواطن المغلوب على أمره من ممارستها، بأي صورة أو على أي مستوى.. هكذا، شاءت السلطات العربية، واسأل أي مواطن عربي عن ركائز الديمقراطية ومسارات إنجازها، وإن أجابك بالصواب، فتأكد أنه خريج إحدى الجامعات الغربية.

الديمقراطية تعني بأحد معانيها العقلانية، أي البصيرة بمنطق العقل للأحداث وتقييمها، والنأي عن التصرفات الهوجاء، فما قام به الإرهابيون في فرنسا لم يردع الصحيفة عن الاستهزاء بالدين الإسلامي ونبيه، بل أزَّم أمور الخمسة ملايين مسلم في فرنسا، الذين بذلوا الكثير من الجهد والعطاء، ليندمجوا مع المجتمع الفرنسي، الذي احتضنهم، بعد أن جرعتهم دولهم العربية الغصة تلو الأخرى.

الديمقراطية المغيبة عن عمد من حياتنا، تعني إفساح المجال للعلم الطبيعي وللعقل النقدي أن يتبوأ عقول شبابنا منذ بواكير المراحل التعليمية، حتى أرفع المراكز العلمية، بدلاً من «عشعشة» الخزعبلات والأباطيل المطلية بالأوهام والدجل في أدمغة الشباب المندفع، لدرجة أن خريج أي معهد ديني يُطلق عليه لقب «عالم»، ويقارن ويفضل ويبجل على خريج أرقى الجامعات العلمية.

الديمقراطية تعني الحرية، حرية الأفراد في التفكير والإيمان بما اقتنع به العقل بموضوعية وحيادية، وحرية الاطلاع على فكر وثقافة وعلوم الآخرين.

نعم، عصبياتنا الموروثة من تراثنا والمكتسبة من بيئاتنا الاجتماعية والثقافية نتيجة حتمية للمناخ الفكري المضطرب، الذي لوَّثت به أنظمتنا الرجعية حياتنا، بكل أبعادها، فمن يعتقد أنه من «جند الله» واستباح دم الأبرياء انتقاماً للمذهب والنبي، لم يعِ المراد من العقلانية، ولا الهدف من بذر روح التسامح والتعايش في المناهج الدراسية الحديثة، ولا مفهوم العلمانية ونظرتها إلى الأديان بحيادية من دون تدخل في قسر أي منها على المجتمع، مع إعطاء أولوية قصوى للتعبير بأشكاله المتنوعة والنقد مهما كانت طبيعة الموضوعات، وذلك ما لا يمكن لمجتمعاتنا القدرة على استيعابه والمثول له.

الغلو في التطرف عند مجاميعنا الأصولية سلاح ماضٍ في يدها ضد المخالف في الداخل والخارج، بمساندة مادية وإعلامية من الأنظمة القمعية، هنا، انكشف الإرهاب الفكري وبان العدوان الدموي على ما سمي بالعدو الكافر.. وبدلاً من كون سماحة الدين سبباً لنشر روح المحبة والسلام، صار هدفه التصفية والقضاء على مَن يوجه وسائل التعبير للانتقاد والانتقاص من الأديان.
في الغرب وفرنسا بالذات عندهم تطرف وإسراف في إباحة الحرية، وعند العرب تطرف في كبت الحرية، وما بين الاثنين تبقى الحرية المتهم والمسؤول الرئيسي عن الإرهاب في الشرق والغرب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *