الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : ازدواجية دُعاة الحرية

أحمد الجاسم : ازدواجية دُعاة الحرية

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

لم تكن «مذبحة باريس» مجرد جريمة إرهابية بشعة قام بها متطرفون مسلمون فرنسيون ضد مجلة أسبوعية ساخرة انتقاماً لنبيّهم، أدَّت إلى قتل 12 ضحية ونحو عشرين جريحاً، بل القضية تعدَّت هذا النطاق، وأخذت منحى معادياً للإسلام والمسلمين في أوروبا، وفي فرنسا تحديداً، حيث يشكّل المسلمون 10 في المائة من المجتمع الفرنسي، وكأن كل مسلم أصبح مسؤولاً عن الجريمة، فهناك مخاوف وتنبؤات عنصرية لدى اليمين المتطرف، المعادي للمسلمين، من أن يصلوا إلى سدة الحكم في الانتخابات الرئاسية عام 2022، كما تخيلتها رواية ميشال هولبيك «الاستسلام»، التي أثارت جدلاً واسعاً في فرنسا، وقد استغل الصهاينة مشاركتهم في مسيرة باريس «أنا شارلي» التضامنية، ليطلقوا هتافات ذات علاقة بالصراع العربي- الإسرائيلي «إسرائيل ستحيا وتنتصر»، وهي إشارة واضحة، لا لبس فيها، أن كل مَن يقاوم الاحتلال الصهيوني وسياسته الإرهابية مع العرب في فلسطين وجوارها، من احتلال وتهجير وتطهير وقتل واستيطان وحصار، هو «إرهابي» معادٍ لحرية الرأي والتعبير والتعايش مع المخالف المحتل لأرضه، علماً بأن الكيان الصهيوني، المرتدي لثوب الحداد على الضحايا، هو مَن شرَّع سياسة تكميم الأفواه، وقمع حرية الرأي والتعبير، وهو مَن انتهج سياسات تصفوية بحق المبدعين والمثقفين الفلسطينيين، فاغتال الأدباء المقاومين، كغسان كنفاني ووائل زعيتر وكمال ناصر، وأرسل طروده المفخخة، لبتر أصابع الكاتب أنيس الصايغ، وبسّام أبوشريف، ومع ذلك لم نسمع من القادة العرب والمسلمين المشاركين في المسيرة (وبالصفوف الأمامية جنباً إلى جنب كبير الإرهابيّين نتنياهو) أي احتجاج، أو انزعاج، لا من وريث أوسلو محمود عباس، الذي لم يخرج طيلة عمره بتظاهرة واحدة في رام الله ضد الكيان الصهيوني، ولا حتى من وزير خليفة المسلمين العثماني، أحمد داود أوغلو، ثم تلتها مطالبة نتنياهو بضرورة هجرة اليهود الفرنسيين إلى إسرائيل، حفاظاً على حياتهم من الإرهاب، لكون فرنسا أصبحت غير آمنة، بعد أن استوطن فيها المسلمون.

أما هبة «الشارليين العرب»، فهي حقاً لافتة للنظر، خصوصاً المثقفين التنويريين منهم ومنهن، فقد تضامنوا مع الحدث بشيء من السذاجة والاندفاع – إذا أحسن الظن فيهم – فحين يدافعون عن مجلة «شارلي إيبدو» وحقها المشروع في النشر والتعبير، تظن للوهلة الأولى أن هؤلاء أحرار بما تعنيه الكلمة، خصوصاً حين يتعرَّض الرجل الأبيض الغربي (المتقدم والمتفوق على الأسمر الشرقي المتخلف) للإرهاب من قبل المسلمين يهب القادة والزعماء والكُتاب والإعلاميون وشيوخ الدين، لنصرته والتضامن معه، بينما يغص العالم العربي بمعتقلي الرأي وضحايا الإرهاب من كل جهاته من دون أن يلتفت إليهم أحد منهم، فالسجون العربية والخليجية مليئة بالمعارضين السياسيين والمغردين، فلم نسمع منهم أن تضامنوا يوماً مع الشاعر القطري المعتقل محمد بن الذيب، أو مع المدون الليبرالي رائف بدوي، الذي يُجلد كل جمعة علناً في جدّة، بتهمة «إهانة الإسلام»، أو مع مئات المعتقلين الإداريين الفلسطينيين في سجون الاحتلال! بل إن المفكر الألمعي صادق جلال العظم، الذي دافع بحرارة عن حرية سلمان رشدي وحقه في التعبير، وألَّف فيه كتابين ضد فتوى الخميني التي أهدرت دمه (كان الراحل هادي العلوي أكثر وعياً من نظرائه، حين تنبه للدور المشبوه الذي يقوم به سلمان رشدي في روايته «آيات شيطانية» عبر حجم البذاءة الجنسية الموجهة لشخصيات تاريخية ضخمة في حضارتنا، ومحاولته البائسة لمسخ شخصية سلمان الفارسي وإظهاره بالفيلسوف المشكك بالإسلام)، رفض أن يوقع على عريضة تطالب بإطلاق سراح السجين ابن الذيب، بذريعة الخوف على مستقبل الثورة السورية!

بل إن فرنسا هي نفسها، التي تتغنى بحرية التعبير وتدعو المسلمين إلى تقبل إهانة نبيهم، تمنع التشكيك بوقوع المحرقة النازية أو حتى مَن يناقش عدد الضحايا، فالرقم 6 ملايين يهودي أُحرقوا غير قابل للنقاش، والقانون الفرنسي يُقاضي مَن يجرؤ على التشكيك فيها، كما حاكموا وطاردوا وحاصروا روجيه غارودي، لكسره هذه المحرمات والتابوهات، أليس هذا قمعاً مضاداً لحرية البحث العلمي والتعبير؟

أما إذا تمعنا في سياسة مجلة «شارلي إيبدو»، وما يُقال عنها إنها مجلة يسارية وساخرة من كل الأديان والرموز الدينية، فهذا كلام ليس دقيقاً، بل اعتادت على استفزاز المسلمين، ومناصرة العدو الإسرائيلي وتأييد جرائمه، وإذا أخذنا شهادة الكاتب الفرنسي المنصف ورئيس تحرير صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» ألان غريش في تعليقه المترجم على الحدث، فهو أدرى وأعلم من المثقفين العرب المندفعين، فأهل مكة أدرى بشعابها، ستتضح صورة أمامنا أكثر في العلاقة بين الفعل وردة الفعل، حيث يقول «أخذت «شارلي إيبدو» منذ الألفية منحى تحريرياً معادياً للفلسطينيين على الأخص خلال الانتفاضة الثانية، وأيَّدت الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، وكذلك أطلقت المجلة حملات معادية للإسلام، فأعادت عام 2006 نشر الرسوم الدنماركية المسيئة إلى الإسلام… ». (الأخبار اللبنانية 8 من يناير 2015)

وكذلك «شارلي إيبدو» هي نفسها غير متسامحة، ولا تقبل الرأي الآخر، فحين قام أحد عامليها الرسام ساين، الذي رسم في عام 2009 كاريكاتيرا ساخراً عن ابن ساركوزي، عندما تحوَّل لليهودية، لأسباب مادية، وطلبوا منه الاعتذار، فرفض، فتم طرده من عمله!

إن الحكومات الغربية، التي تُحاضر علينا بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، عليها أن تطبقها أولا حين تتعامل معنا، فجميعنا يتذكر القصف الأميركي لمكتب قناة «الجزيرة» في بغداد أثناء الحملة على العراق، لأنها غطت الحرب بطريقة لا تروق للإدارة الأميركية، وأخيراً قدم المذيع المخضرم في محطة CNN جيم كلانسي استقالته، بسبب غضب المسؤولين في المحطة من انتقاده لإسرائيل عبر حسابه الخاص على «تويتر».. فمرحى بحرية التعبير التي يتشدقون بها علينا، ليسوقوا بها إهانتنا وتحقيرنا، ثم لسنا المسؤولين عن تربية هؤلاء المتطرفين ونحن من ضحاياهم، فالحكومات الغربية، كأميركا وبريطانيا وفرنسا كذلك لعبت بالنار طويلاً، حين استخدمت هؤلاء «الجهاديين» كمطارق وفؤوس وأدوات، لضرب خصومها في أفغانستان وليبيا وسوريا.. فكيف ينتقل المئات من «الجهاديين» من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا إلى القتال في سوريا من دون أن يعترضهم أحد؟!

إن أفضل انتصار للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ليس بالهجوم على الرسامين والمفكرين وقتلهم، فهذا فعل لا يقره الإسلام، ولا الأعراف الإنسانية، بل بإيقاف حمام الدّم الذي يجري في أوطاننا في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وتوحيد صفوفنا وبوصلتنا نحو فلسطين المحتلة، فعدونا المشترك هو الكيان الصهيوني وحلفاؤه، فنبذ هؤلاء القتلة الذين شوَّهوا صورة الإسلام ونبيه بأفعالهم الدموية والمتخلفة واجب شرعي علينا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *