الرئيسية » آخر الأخبار » التأمينات الاجتماعية.. هل نشهد الحلقة الأخيرة من مسلسل التجاوزات والفساد؟

التأمينات الاجتماعية.. هل نشهد الحلقة الأخيرة من مسلسل التجاوزات والفساد؟

مؤسسة التأمينات الاجتماعية
مؤسسة التأمينات الاجتماعية

محمد الغربللي:
ساحة الفساد واسعة، مع تنامي البيئة الصالحة لها.. ومن عناصر هذه البيئة الصالحة التي تساعد على نموها وازدهارها، غياب الرقابة الفعَّالة، وعدم الجدية في تتبع الفاسدين، كحال الدول الأخرى.. لا نقصد الأوروبية منها، بل حتى بعض الدول الآسيوية.. فلا يمكن أن يكون هناك فساد، ما لم تكن هناك بيئة صالحة له.

تنعدم القيم الرفيعة أو تتضاءل في مجتمع ما، وتطفح على السطح قيمة المال الذي يعزز المكانة الاجتماعية، حتى لو كان معروفاً أن هذا الوجيه قد حصل على أمواله، من جراء عمليات فساد واستغلال نفوذ في مركز، بمفرده أو بمساعدة آخرين.. وأنواع الفساد مختلفة ومتفاوتة بالمبالغ، وهذا يعتمد على الفترة الزمنية التي يقضيها الفاسد في مركزه.. منها حالة السرقة الواضحة للأموال، على حدّ القول «عيني عينك»، وهذا الأمر تمَّ في وزارة الأشغال العامة في وقت سابق من قِبل مجموعة من الفاسدين، الذين يحصون الرواتب الشهرية، ويضيفون مبالغ أكثر على رواتبهم، حيث استمرت العملية لسنوات، وجاء اكتشافها على يد صاحب ضمير وأمانة، عندما حوَّلوا إليه مبلغاً في حسابه، لجره ضمن عصابتهم، فذهب إلى المسؤولين وأخبرهم بذلك، وفتحت الملفات المتعلقة بالرواتب وازدواجيتها، وتم تحويل المتهمين للنيابة.

بلدية الكويت

ذات الحالة جرت في بلدية الكويت منذ أيام، بقيام عاملين في البلدية بالاستحواذ على مبالغ كبيرة من أموال البلدية المودعة في البنك المركزي، وحوَّلوها لحساباتهم، وتم اكتشافهم وتحويلهم للنيابة على فعلتهم، وقد تحدَّث عن هذا الأمر مدير عام البلدية.

هذه الحالات هي سرقة في وضح النهار، تم اكتشاف بعض منها، في حين أن البعض الآخر قد لا يتم اكتشافه.. وهناك حالات أخرى أكثر براعة ومداراة عن العيون، تتمثل بتدفق أموال الفساد، من خلال العمولات التي تتم، سواء على مستوى المناقصات أو المشتريات، حيث تحدد النسبة وتضاف إلى قيمة العقد، وهذه الحالات مجالها واسع، ومبالغها محددة، بما يتناسب مع قيمة المناقصة أو المشتريات.. وقد تتحرَّك أدوات، للمساعدة في ترتيب الأمر، لتسهيل الحصول على تلك العمولات.. وهذا النوع من الفساد من الصعوبة بمكان اكتشافه، إلا أنه يمكن اكتشاف مظاهره، بعد تحوُّل فاعله إلى الثراء.. أما من حيث الإمساك به من غير المختصين أو المتابعين بشكل كبير وبقدر واسع من الاطلاع بما يدور في كواليس هذا القطاع أو ذاك، فيبقى أمرا صعبا.

فهد الرجعان
فهد الرجعان

موضوع الساعة

حتى لا نتبحر في موضوع الفساد وأنواعه، وهو بحر واسع وعميق وضع الكويت في درجات متأخرة في مكافحة الفساد، وفق المؤشرات التي تعلنها منظمة الشفافية العالمية.. دعونا نعود إلى موضوع الساعة، محل حديث الناس ومتابعتهم، وهو الأمر المتعلق بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، التي كان يترأسها طوال 28 عاماً فهد الرجعان.. فقد نشرت «القبس» في عددها الصادر بتاريخ 2012/5/22، خبرا صغيرا جاء به «أصدر نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية مصطفى الشمالي قرارا بإيقاف مدير عام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية فهد الرجعان عن العمل مؤقتاً، وقال في بيان صحافي إنه اتخذ قرار الإيقاف إلى حين الانتهاء من التحقيقات في القضية المنسوبة إلى الرجعان رقم 2008/1499، وعلمت «القبس» من مصادر مطلعة أن القضية التي أوقف بموجبها الرجعان لحين انتهاء التحقيق فيها، تتعلق بالشكوى المرفوعة من عضو سابق في مجلس إدارة التأمينات، كما كشفت المصادر أن النيابة العامة طلبت من السلطات السويسرية المساعدة القضائية لجمع المعلومات».

يُفهم من هذا الخبر، أن الدعوى القضائية ضد الرجعان رُفعت عام 2008، ومَن رفعها هو أحد أعضاء مجلس إدارة التأمينات، الذي لم تُشر «القبس» إلى اسمه، على الرغم من معرفة الجميع أنه د.فهد الراشد، وهو كما وصفناه سابقا ومن واقع خبرته العملية وعلمه الاقتصادي «من المختصين والمتابعين بشكل واسع في مجال الاستثمار.. ودعواه القضائية ثابتة، بما يملكه من بيانات ومستندات واطلاع على استثمارات الهيئة.. قبل تاريخ النشر هذا في صحيفة القبس، كانت صحيفة «الكويتية» قد نشرت في عددها الصادر في 2012/5/10، خبراً مكملاً لما نشرته «القبس» بشأن الرجعان، ذكرت فيه «علمت الكويتية أن سلطات النيابة العامة السويسرية أمرت بتجميد أرصدة مدير عام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، كإجراء احترازي، وذلك بناءً على طلب النيابة العامة في الكويت، بالمعاونة القضائية، في ما يخص التحقيق الجاري حول شبهات تتعلق بعمولات ضخمة لعمليات يتم التحري عنها حاليا عن علاقة التأمينات بها. وكان أكثر من نائب قد قدَّم أسئلة لوزراء المالية السابقين حول هذه العمولات، وتم طلب التحقيق في الموضوع، وفي عهد الوزير السابق بدر الحميضي تم اختيار مؤسسة عالمية متخصصة في ملاحقة تحرُّك الأموال المشبوهة، لمعرفة إن كان أيٌ من قياديي التأمينات قد استفاد من هذه العمولات، إلا أنه وفور استقالة الحميضي من منصبه، قام الرجعان بتولي مسؤولية توقيع العقد مع المؤسسة المذكورة وتحديد صلاحيتها والمعلومات التي يمكن توفيرها لها، ما حدا بالمؤسسة العالمية عند تسليم التقرير النهائي للرجعان إلى التأكيد بأن التقرير هو لاطلاع الرجعان فقط، وأن التحري والتدقيق لم يجريان وفق المعايير العالمية المتعارف عليها».

فهد الراشد
فهد الراشد

أخبار يومية

هذه الأخبار اليومية التي كانت تصدر في ذلك الوقت، تعد انعكاساً للخطوة التي اتخذتها السلطات القضائية السويسرية، بتجميد أرصدة شخصية لمدير عام المؤسسة السابق، وهذا ما دفع وزير المالية الأسبق مصطفى الشمالي إلى تجميد عمل الرجعان لفترة مؤقتة.. وفي ذلك الوقت كانت تتم متابعة سياسية لوزير المالية، بتقديم عدد من نواب مجلس الأمة استجوابا ضده، أحد محاوره الرئيسة التأمينات الاجتماعية، وقبلها كانت هناك تصريحات لأحد النواب المستجوبين، وهو مشاري العنجري، ضد صمت رئيس الحكومة تجاه التجاوزات في مؤسسة التأمينات.. وفي الوقت ذاته الذي أصدر فيه الوزير قرار التجميد، كان الرجعان يفند كل الاتهامات الموجهة إليه في مقابلة معه في صحيفة القبس نشرت في 2012/5/22.. ومما أشار إليه في تلك المقابلة – التي يبدو أن المحرر الاقتصادي قد أجراها قبل صدور قرار التجميد- أنه لم يستقل من منصبه، كما يُقال، وأنه مستعد للوقوف مع الوزير في الاستجواب، لتبرئة ساحته، كما أن تجميد حسابه أو حساباته في سويسرا يقضي بعدم «التصرف بحسابه، ولكنه يستطيع البيع والشراء والتعامل مع الأسهم في المحافظ المالية التي يمتلكها».

المقابلة المذكورة طويلة وعريضة قام فيها الرجعان بتبرئة نفسه من أي تجاوزات، أو أي إخفاقات مهما كانت تجاه عمليات الاستثمار المالي للمؤسسة.. ولكن ما لم يتم التطرق إليه في تلك المقابلة، لا من قريب أو بعيد، الدعوى القضائية المرفوعة ضده في الكويت.. كانت نوعا من اللقاءات الصحافية، لتلميع الصورة.. حيث في الوقت ذاته الذي نشرت فيه هذه المقابلة الصحافية، كان قبلها يظهر على شاشة تلفزيون إحدى المحطات الخاصة في مقابلة تلفزيونية تصب في الاتجاه ذاته، وهو التلميع.

الحكم النهائي

في الوقت ذاته الذي كانت تدور به رحى الإعلام في متابعة أخبار التأمينات الاجتماعية وتهديدات عدد من النواب وتصريحاتهم، وفي ما بعد الاستجواب المقدَّم لوزير المالية، كان هناك فرد واحد يتابع هذه القضية بشكل مستمر من دون توقف أو ملل أو انكسار، بعيدا عن الإعلام والتصريحات.. د.فهد الراشد كان يتابع قضية التجاوزات وما يشبه الاختلاسات من أموال التأمينات الاجتماعية حتى صدور حكم نهائي في نهاية العام الماضي، بتجميد حسابات المدير العام السابق للمؤسسة فهد الرجعان، وتتابع هذا الأمر قضائيا، سواء في الكويت بإصدار النائب العام قرارا بضبط وإحضار الرجعان، أو بتجميد حساباته المالية في سويسرا.. وإذا كان يريد أن تطغى صورة التلميع التي حاول القيام بها منذ أكثر من سنتين، فها هي الساحة القضائية أمامه لإظهار الخيط الأبيض من الأسود، وليأتِ للكويت، لإيضاح موقفه المالي.

أموال المؤسسة

عندما نتحدَّث عن أموال مؤسسة التأمينات الاجتماعية، يفترض أن نضع ما تملكه المؤسسة من أموال سائلة أو أصول أخرى بموجب آخر تقرير لديوان المحاسبة لعام 2014-2013، فأصولها بالقيمة العادلة تبلغ 26300000000، وقد وضعناها بالأرقام، لإظهار حجم الأموال المستثمرة في المؤسسة، التي قد تكون كحجم موجودات في إحدى الدول متوسطة الحال.

أرقام كبيرة بالفعل، فالمؤسسة التي بدأت أعمالها منذ عام 1977 حصلت في بدء عملها، وبعد إنشائها، على أموال المتقاعدين في القطاع الحكومي، ومنذ ذلك العام والأموال ترد إليها سنويا من المشتركين وأصحاب الأعمال، كل وفق نسبته. ونتساءل هنا، هل هناك تجاوزات مالية في أموال مؤسسة التأمينات الاجتماعية؟ نقول نعم كبيرة جداً، وما سنذكره مجرد «غيض من فيض» في تلك التجاوزات، وهي صادرة من ديوان المحاسبة، بموجب تقاريره السنوية، حيث يذكر الديوان عينات من تلك التجاوزات، وعندما نقول عينات، فهي كالعينات التي تؤخذ من الدم، لتقرير حالة المريض، ومنها ما جاء في تقرير ديوان المحاسبة عن عام 2014/2013، على سبيل المثال لا الحصر:

● خسائر في صناديق تساهم فيها المؤسسة.
● تمويل خارجي بلا ضمانات.
● منحت المؤسسة قرضا بواقع 200 مليون دولار لإحدى المجموعات الاستثمارية في دبي من دون وجود ضمانات.
● تجنبت المؤسسة أخذ مخصصات بلغت 28 مليون دينار لهبوط استثمار كمخصص.
● 38 مليون دينار مقابل تمويل شركات مشكوك في تحصيلها.
● مساهمتها في صندوق A.O.L، محققة خسارة بواقع 43 مليون دينار، من جراء عدم متابعة التقارير.

وغيرها من التجاوزات المالية التي وردت في التقرير السنوي، الذي وفق تاريخه، صدر بعد سنوات على تقدم د.فهد الراشد بدعواه، وهذا يعني في الحقيقة أنه قبل عام 2008، كانت هناك أيضا حالات فساد وتجاوزات مالية، ولاسيما أن في تلك الفترة وقبل اندلاع الأزمة المالية، كانت الأموال «تطشر» بالهبل، وكان حتى الجاهل يدعي معرفته بالاستثمار.

أُمنية الكويتيين

نتمنى، كما يتمنى الشعب الكويتي كافة، أن تذهب العدالة لنهاية الطريق، لعلها تكون وقفة جادة في مواجهة هذه «الحرمنة»، التي تجذرت في بلدنا، وتبقى كلمة أخيرة لابد منها، كنهاية للموضوع.. كان د.فهد الراشد يستطيع السكوت وغض الطرف والتمتع بمزايا المكافآت المالية التي يحصل عليها، وبعضوية مجالس الإدارة في الشركات التي يُعين فيها، والتي تساهم فيها مؤسسة التأمينات الاجتماعية، والسفر في هذا البلد أو ذاك، لحضور الاجتماعات، لكنه ولج طريق الضمير والأمانة، ورفع دعواه القضائية، لحماية أموال البلد من أي عبث كان.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *