الرئيسية » ثقافة » من وجهة نظر روائيين يعيشان في الغرب: الأصولية.. جذورها وتداعياتها في أدب المهجر

من وجهة نظر روائيين يعيشان في الغرب: الأصولية.. جذورها وتداعياتها في أدب المهجر

غلاف رواية «نجوم سيدي مومن»
غلاف رواية «نجوم سيدي مومن»

كتب محمد جاد:
لم تكن الظاهرة الأصولية في العالم العربي من الظواهر العابرة، بل ثبت أنها متجذرة في الفكر العربي، وتنتهز الفرصة فقط، لتظهر وتمارس انعكاساتها على المجتمعات العربية، وما فترات الغفوة الاضطراية، إلا في وجود أفكار ومشروعات قومية تستطيع إخفاء الفكر الأصولي إلى حين، وخاصة إذا استند بالأساس إلى معتقد ديني يؤمن بثباته وفرضه بالقوة، إذا أتيحت له الفرصة، وقد تناول الأدب هذا الفكر، بما أنه ظاهرة اجتماعية، والأمثلة عديدة في الأدب العربي، وخاصة في الدول التي طالتها نيران الأصولية، كمصر والجزائر على سبيل المثال، إلا أن أحداث تصدير الظاهرة الأصولية وشكلها المنصرف تحت مُسمى الإرهاب، صارت سمة في الغرب، وأصبحت الأعمال الأدبية للعرب المقيمين في الغرب تتناول هذه الظاهرة، بما أنهم ينتمون إلى هذا العالم، الذي هجروه طواعية أو رغماً عنهم، وأصبحوا بشكل أو بآخر صوتا يرى مُشكلات العالم العربي المزمنة، ويُعبّر عنها من وجهة نظر لها وجاهتها وثقلها الكاشفة الدالة. ونستعرض سريعاً تجربتين روائيتين من الأردن والمغرب، يجمعهما العيش والحياة في الغرب، وتتراوح رؤيتهما لأزمة الأصولية الدينية، كل وفق مفهومه وعالمه الروائي.

أصولي متشدد

كرد فعل لما فعله رجل هجر زوجته وطفلته ذات الأعوام الأربعة للجهاد في أفغانستان ضد الغزو السوفييتي، لن تغفر المرأة لزوجها هذه الفعلة، وتبدأ في تربية طفلتها على رفض كل ما له مظهر إسلامي.. هكذا ترى الروائية البريطانية والأردنية الأصل فادية الفقير في روايتها «شجر الصفصاف لا يبكي».. تبدأ الأحداث في ثمانينات القرن الفائت، «نجوى» الشخصية الأساسية في الرواية الأردنية والفلسطينية الأصل تحيا يتيمة بين أمها «رنين» وجدتها في بيت الأرامل المنسيات، وتحاول أمها، التي تعمل بالتدريس، أن تمحي كل أثر لزوجها «عمر»، الذي تركهما وفضَّل الجهاد في سبيل ربه، بداية بحرق الكتب الخاصة به، والتي ساعدت في تحوله إلى أصولي مُتشدد، خصوصا وهو الذي كان يعيش حياة عادية، قبل أن يسافر وصديقه المُقرّب إلى قتال السوفييت. تخلع رنين الحجاب، وتمنع ابنتها من ارتياد حلقات تحفيظ القرآن، وترتدي زياً يخالف أزياء المسلمات التقليديات، وعند موتها توصي ابنتها بألا تقيم لها جنازة إسلامية، إلا أن التقاليد أقوى، فتخالف الابنة والجدة الوصية، لتبدأ الفتاة رحلة البحث عن أبيها، حتى تصل إلى أفغانستان، وخاصة أن «عمر» الذي بدأ في مراجعة أفكاره، جعلته أحداث 11 سبتمبر وهجوم الولايات المتحدة على معاقل المتأسلمين، يسير في طريقه إلى آخره، حتى إن ابنته لا تعرف في النهاية، كما أمها، هل تسامحه على أفعاله، أم تحمّله مسؤولية موت الأم؟

غلاف رواية «شجر الصفصاف لا يبكي»
غلاف رواية «شجر الصفصاف لا يبكي»

قمامة الكفار

على إثر تفجيرات الدار البيضاء في عام 2003، وقد أصبح المغرب هدفاً لضربات الإرهاب، جاءت رواية «نجوم سيدي مومن» للكاتب المغربي المقيم بباريس ماحي بنبين، لاستعراض حياة الفقراء، الذي يصبح الموت مرادفاً لوجودهم، وأفضل ما يمكن فعله بالنسبة لهؤلاء، أن يتحولوا إلى مجاهدين في سبيل ربّهم، وأن يصبحوا مستعدين تماماً لأن يتحوَّلوا إلى قنابل موقوتة/انتحاريين يتم استخدامهم وقت أن تشاء لهم قوة أخرى تتصارع على الساحة السياسية.

حاول بنبين رصد حياة هؤلاء، وخاصة أن مجموعة الانتحاريين الذين قاموا بالتفجيرات كانوا من منطقة سيدي مومن، ففكرة الرواية لم تنبع من العدم، أو كرد فعل على الأحداث الواقعية.

يستعرض المؤلف الحياة في هذه البقعة المنسية من المغرب، هؤلاء الذين يعيشون ويلهون بين جبال من القمامة والمقابر وبيوت الصفيح، مجتمع عشوائي لا تلحظه الدولة ولا تراه إلا حينما انفجر في وجهها.

«ياشين» البالغ من العمر 12 عاما، يعيش بين أسرة كبيرة العدد بحجرة صغيرة خانقة، ولا يجد إلا اللهو مع رفاقه بين النفايات، وقد شكَّلوا معاً فريقاً لكرة القدم، يحمل اسم «نجوم سيدي مومن»، لا يتنفسون حولهم سوى روائح الموت والنفايات، ولا مفر من هذا العالم، وقد نسيهم الجميع.. يتعرّف شقيق «ياشين» الأكبر على أحد المتأسلمين، والذي يُعرف باسم «الأمير»، الذي يجد عملاً لياشين ورفاقه، وبعد ذلك يبدأ في تجميعهم للسير فوق «صراطه المستقيم»، فيعلمهم فنون القتال والإعداد لما هو أكثر، وبعد فترة يرسلهم إلى أحد معسكرات التدريب، لتعليمهم كيفية استخدام الأسلحة، وطوال هذه الرحلة يتم التهيئة النفسية لهم، بما يمكّنهم من تنفيذ أوامره وأوامر مَن يديرونه، فهم الآن في خدمة الله ودينه وقضاياه، وأن يستعدوا تماماً للموت في سبيله، وأن يقسموا على نشر كلمته أمام صورة للقدس المفقود، وقد أصبح سبيل العودة مرهونا بأفعالهم، لينتهي الأمر بموت «ياشين» وهو يعمه في يقينه بأنه اكتشف معنى وجوده الحقيقي، بعدما فتح قلبه لله، وابتعد عن الحياة وسط قمامة الكُفار.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *