الرئيسية » إقتصاد » بعد الغلاء.. الحكومة تعزز الاحتكار

بعد الغلاء.. الحكومة تعزز الاحتكار

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
في الوقت الذي من المفترض أن تعمل فيه الحكومة على بحث كيفية الحد من ارتفاع الأسعار، الذي أججته مع مطلع العام الحالي، بعد القرار غير المدروس، برفع أسعار الديزل والكيروسين، وهو ما ترك تداعيات كبيرة على الأسواق، وتسبب في رفع أسعار مختلف السلع، نجد الحكومة تعلن عن خطوات غريبة، من شأنها أن تزيد من الضغط على المواطن، وتزيد من الغلاء في البلاد.

فلم تمضِ إلا أيام قليلة على صدمة الغلاء الناجمة عن ارتفاع أسعار الديزل، حتى فوجئنا باللجنة المالية في مجلس الأمة تمرر المشروع النهائي لقانون الوكالات التجارية، متضمناً العديد من البنود التي تخدم أصحاب الوكالات التجارية، وتعزز الاحتكار وتزيد الغلاء، وتقتل حماية المنافسة، وترهق المواطن، بما ينعكس بالسلب على حياته، ليكون تحت رحمة وهيمنة الشركات والتجار، في وقت تعاني فيه البلاد من الغلاء وسيطرة التجار على أراضي الدولة، وكثير من وكالات السلع والمنتجات والخدمات والامتيازات الاحتكارية.

صدمة الصبيح

وما هي إلا أيام أيضاً على تمرير هذا القانون المعيب، حتى جاءت صدمة جديدة أعلنتها وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند الصبيح، بتأكيدها انتهاء وزارة الشؤون من إعداد دراسة لخصخصة الجمعيات التعاونية، والمضي قدماً في خصخصة هذا القطاع، مؤكدة أن خصخصة الجمعيات التعاونية ستصب في صالح المستهلك.

والغريب في الأمر، أن كل قرار من القرارات السابق ذكرها، أو خطوة من هذه الخطوات الكارثية السابقة على المواطن، تؤكد الحكومة أن هذا كله يصب في خدمة وصالح المواطن، ولا ندري وفق أي معادلة تقيس الحكومة القرارات التي تصب في صالح المواطن! فجميع القرارات تأتي بنتائج عكسية على المواطنين وأرزاقهم، وتكون في صالح الشركات والتجار والرأسماليين، ما يعطي دلالة واضحة على أن الحكومة «لا تقدر إلا على المواطنين فقط».

الخصخصة تطل برأسها

وقد عاودت الحكومة، مجددا، على لسان وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند الصبيح، الحديث عن خصخصة الجمعيات التعاونية، إذ أعلنت الوزيرة خلال اللقاء المفتوح في محافظة مبارك الكبير، الأسبوع الماضي، أن انتهاء وزارة الشؤون من إعداد دراسة لخصخصة الجمعيات التعاونية، مؤكدة أن خصخصة الجمعيات التعاونية ستصب في صالح المستهلك وتقضي على ما يقارب 50 في المائة من الفساد الإداري والمالي، مع القضاء على البضائع الراكدة.

ويبدو أن ما صرَّحت به الوزيرة جاء، ليكون بمثابة «بالونة اختبار» جديدة، من أجل جس نبض الشارع الكويتي حول هذه القضية، التي أثيرت خلال الفترة الماضية، ووجدت رفضاً كبيراً من مختلف القطاعات، خصوصاً أن الشارع الكويتي محتقن الآن، في ظل الغلاء، الذي يشهده بعد رفع أسعار الديزل، فنحن نعرف حكومتنا في سياسة إقرار القوانين وهي سياسة جس النبض ورصد ردود الفعل.

وكان على الوزيرة الصبيح، أن تحل الملفات العالقة في وزارتها منذ سنوات قبل أن تفكر في خصخصة التعاونيات، ولكن من الواضح أن هناك مخططا لتمرير مشروع خصخصة التعاونيات، كجزء من مخطط الخصخصة الكبير الذي يجهز منذ سنوات لبيع قطاعات مهمة في الكويت، على الرغم من أن هذه التجربة (الخصخصة) أثبتت فشلها الذريع في الكويت، والأمثلة على ذلك واضحة للجميع، ومنها خصخصة محطات الوقود، فالقطاعات التي تمَّت خصخصتها، وتم إنهاء خدمات المواطنين فيها لم تحقق أي تقدُّم، أو تصل إلى المستوى الذي كانت تروج له الحكومة، والأمر الوحيد الذي تحقق مع عملية الخصخصة، هو سيطرة شركات وتجار على هذه القطاعات، والأمر ذاته سيتحقق في حال خصخصة القطاع التعاوني.. ففي حال خصخصة هذا القطاع المهم، ستكون السيطرة للشركات الكبيرة والتجار، ما يزيد من هيمنة الرأسماليين على قطاعات الدولة، ويُعد خطوة جديدة للهيمنة على مقومات الدولة.

وإذا كانت وزيرة الشؤون ترى أن الجمعيات فيها سلبيات، فلماذا لا تسعى إلى إصلاح هذه السلبيات وتعمل على تحسين وتطوير الأداء في هذه الجمعيات، بدلاً من اختيار الحل السهل، وهو اللجوء إلى الخصخصة؟ فمهمة الوزيرة الأولى هي إدارة وإصلاح وتطوير الجهات التي تخضع لإدارتها، لا بيعها والادعاء «أنه لا حل إلا الخصخصة»! وإذا كانت الوزيرة غير قادرة على القيام بهذه المهام، فهذه تكون مشكلتها، وعليها أن تجد حلولاً لها، لا أن تطلق الحلول السهلة القائمة على بيع قطاعات مهمة غير مقبولة.

إن ما تغافلت عنه الوزيرة عندما أخذت تعدد سلبيات الجمعيات التعاونية، هو أن موضوع خصخصة التعاونيات لا يهم التعاونيين فقط، بل يهم كل مواطن ومقيم على أرض الكويت، إذ إن هذه الجمعيات هي ملاذ الجميع، للهروب من نار الأسعار في الأسواق التجارية الخاصة، كما أنها تمثل قطاعاً مهماً من قطاعات الدولة، وإذا تم تخصيصها، فلن تؤدي دورها الاجتماعي للمواطنين، لأن القطاع الخاص يسعى إلى الربحية، ولا يركز على الدور الاجتماعي أو الخدمي.

اعتراضات

وقد لاقت تصريحات الصبيح اعتراضاً كبيراً من ممثلي الجمعيات التعاونية، متسائلين عن المستفيد الأول من هذه الخصخصة؟ ولمصلحة مَن ستتم؟ ومَن الذي ستكون له السيطرة على أحد أهم جوانب المرتكزات الأمنية في الدولة؟، مؤكدين أنهم سيطرقون جميع السبل القانونية لمواجهة خصخصة الجمعيات التعاونية، مشيرين إلى أن القطاع التعاوني بات تراثاً حياً في الحياة اليومية الكويتية، امتد عمله إلى أكثر من 5 عقود منذ تأسيس أول جمعية تعاونية في البلاد، وأصبح واقعاً اقتصادياً واجتماعياً، وشعر بأهميته المواطن والمقيم، على حد سواء، بل أصبحت التجربة التعاونية الكويتية نموذجا اقتبسته الدول القريبة، بعد أن تلمَّست فوائد ونجاحات التجربة الكويتية التي أهَّلتها لأن تكون تجربة رائدة في المنطقة.

تعارض مع الدستور

إلى ذلك، رفض التيار التقدمي الكويتي ما ذهبت إليه الوزيرة من خصخصة للجمعيات التعاونية، مؤكداً أن توجه الحكومة لخصخصة الجمعيات التعاونية والتصفية النهائية للقطاع التعاوني تتعارض تماماً مع ما قضى به الدستور في المادة ٢٣ بأن «تشجع الدولة التعاون والادخار وتشرف على تنظيم الائتمان»، مبيناً أن الهدف الأساسي من خصخصة الجمعيات التعاونية، هو بسط سيطرة الرأسماليين الكبار على تجارة التجزئة بأكملها التي تقع 70 في المائة منها حالياً بأيدي الجمعيات التعاونية، بالإضافة إلى استحواذ الرأسماليين الكبار على أملاك الدولة، المتمثلة في مساحات الأراضي المقامة عليها الجمعيات التعاونية بأسواقها المركزية وفروعها المنتشرة عبر البلاد التي تقدَّر قيمتها بمئات ملايين الدنانير، إضافة إلى جانب الهدف الرأسمالي، المتمثل في إلغاء أي شكل من أشكال الملكية العامة والملكية الاجتماعية في الاقتصاد، وذلك لتكريس الملكية الرأسمالية الخاصة كشكل وحيد للملكية في الاقتصاد، وبالتالي، فإن الهدف من خصخصة الجمعيات التعاونية هو تحقيق مصلحة الرأسماليين الكبار، وليس تحقيق مصلحة المستهلكين.

وقال التيار التقدمي: «أما عن الفساد في الجمعيات التعاونية، فإن القضاء عليه مرتبط بإخضاع هذا القطاع لمزيد من الرقابة المالية ورقابة أعضاء الجمعيات العمومية لهذه الجمعيات التعاونية وملاحقة الفاسدين ومعاقبتهم، وليس عبر تصفية القطاع التعاوني بأكمله وخصخصة الجمعيات التعاونية، وتحويلها إلى شركات تجارية رأسمالية خاصة لا هدف لها غير الربح والمزيد من الربح من دون تأدية أي وظيفة اجتماعية».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *