الرئيسية » عربي ودولي » «شارلي إيبدو».. انقلب الهزل إلى جدّ

«شارلي إيبدو».. انقلب الهزل إلى جدّ

صلاة يوم الجمعة الماضي في تولوز
صلاة يوم الجمعة الماضي في تولوز

محمد الغربللي:
المجلة الفرنسية الأسبوعية الساخرة «شارلي إيبدو» انقلب هزلها يوم الأربعاء الماضي إلى جدّ.. جد قاتل، أودى بحياة أربعة من أعمدة الصحيفة الفرنسية الساخرة، التي تصدر صباح كل أربعاء.. تحمل صوراً كاريكاتيرية ساخرة من كل شيء، السياسية والدين والمجتمع، من دون حدود أو محاذير. وهذه المجلة بدأت في الصدور في نهاية الستينات، مواكبة مع الثورة الطلابية عام 1968.. ثورة أو حراك عارم اكتسح الجانب المحافظ في المجتمع الفرنسي، وخلال عام كنس كل التابوهات، وكان صراعاً ما بين جيل وآخر، غذاه عدة فلاسفة قبلها، كالفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، والفيلسوف الأميركي الألماني هربرت ماركز ووليم رايخ.

هارا كيري

في هذه الأوضاع المتحركة، صدرت المجلة الساخرة باسم «هارا كيري»، وهي طريقة الانتحار اليابانية بشق البطن بالسكين، مع صورة كاريكاتيرية للمجلة تتصدَّر صفحتها الأولى بشكل دائم، تمثل هذه الطريقة اليابانية.

صدرت المجلة الأسبوعية، آنذاك، وهي تحمل الجديد في الصحافة الفرنسية، وتمزق ما هو كائن بشكل ساخر، وعلى كل شيء، سواء كان على المستوى السياسي الفرنسي الداخلي، أم العالمي، عن طريق تناولها على شكل رسوم كاريكاتيرية مليئة بصفحاتها.. وهكذا، توالى صدورها الأسبوعي، مع انتظار كبير لها في مراكز التوزيع الصحافية، ولاسيما بين فئة الشباب.

في 2 نوفمبر من عام 1970 وقع انهيار ثلجي في منطقة فال ديزير الجبلية، وكان هذا الانهيار كارثة على المصطافين«الشتويين»، راح ضحيته العشرات من مرتادي منطقة التزلج الجبلية، وعنونت بعض الصحف اليومية الفرنسية صفحاتها «انهيار فال ديزير عشرات القتلى..»، وكانت تعد حادثة كبيرة على مستوى فرنسا، من جراء الضحايا الذين ماتوا في هذا الانهيار.

من «هارا كيري» إلى «شارلي إيبدو»

بعدها بأيام، وتحديداً في 9 نوفمبر في العام ذاته، توفي الجنرال شارل ديغول في قريته كولمبي لدو إغليز، فصدرت «هارا كيري»، وعنوان غلافها «كارثة في كولمبي.. قتيل واحد»، وتقصد به شارل ديغول، وكانت ردة فعل الحكومة الفرنسية والديغوليين، الذين كانوا يتولون السلطتين، التنفيذية والتشريعية، غاضبة على هذا الاستفزاز غير المبرر، وأصدر وزير الداخلية الفرنسي ريمون مارسيلان قراراً بإغلاقها، بسبب هذا العدد.. وبعدها بأيام غيَّرت المجلة اسمها، وصدرت باسم جديد، لتعاود الصدور باسم «شارلي إيبدو»، وهو الاسم الذي استمرت فيه بالصدور الأسبوعي حتى يومنا هذا.

من هزل إلى جد

ويوم الأربعاء الماضي، تحوَّل هزل المجلة إلى جدّ دموي، بعد عدة محاولات قضائية أمام القضاء الفرنسي، عندما رفعت جهة دينية دعوى قضائية ضدها، من جراء إعادتها نشر الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرت في الدنمارك، ولكن المجلة استمرت بالاستهزاء بكل شيء، وفق نهجها في ممارسة حرية الصحافة، ونشرت رسوماً مسيئة لرسول الله محمد، ما أدَّى إلى إلقاء زجاجات حارقة على مقرها في باريس، واحترق المقر بكامله، وكان ذلك عام 2012.

وغيَّرت المجلة مقرها، واستأجرت مبنى جديداً لها في منطقة الباستيل الفرنسية، إلا أنها لم تغيّر نهجها في التعبير بالسخرية والاستهزاء، واستمر رسامو الكاريكاتير في عملهم، وبعد هذه العملية، وفَّرت لهم الداخلية الفرنسية حراسة دائمة، من جراء استمرار التهديدات التي يتلقونها، ولاسيما بعد إحراق مقرهم السابق.
وتغيَّرت أحداث عالمية، وشاركت فرنسا، عسكريا، في مالي، لضرب التنظيمات الإرهابية، وبعدها شاركت بشكل فاعل في التحالف الذي دعت إليه الولايات المتحدة في ضرب «داعش»، أو هكذا يفترض، ومن واقع الأوضاع في سوريا والعراق كانت هاتان الدولتان منطقة جذب لعدد من الفرنسيين، سواء كانوا من أصول عربية أم فرنسية، متوجهين إلى سوريا بداية، وبعدها إلى العراق، مع احتلال «داعش» لمناطق واسعة في الدولتين.. وأدَّى ذلك إلى زيادة التوثب الأمني العالي في فرنسا بانتشار قوات عسكرية بشكل مستمر في محطات المترو والمطار وسكك القطار، فأمام ازدياد أعداد المغادرين إلى سوريا والعراق، والتدخل الفرنسي في مالي والعراق وسوريا، وضعت الخطط الأمنية، لمواجهة أي عملية إرهابية على الأراضي الفرنسية.. لكن جميع هذه الاحتياطات لم تمنع ثلاثة فقط من القيام بعملية الأربعاء الماضي في قلب العاصمة الفرنسية، وفي منطقة يفترض أن تكون عين الرقابة عليه على وسعها، وأدَّت العملية إلى قتل أربعة من رسامي الكاريكاتير المؤسسين للمجلة، وأريقت الدماء في مقرها وفي الشارع الذي تطل عليه، وراح في هذه العملية 12 شخصاً و10 جرحى، وفق ما نقلته أخبار الحدث.. وهكذا انقلب الهزل إلى جدّ ودماء مراقة.

النظرة العنصرية للجالية العربية

وانتهى الحادث ما قبل مساء يوم الجمعة الماضي بمحاصرة أخوين، لم يقولا إنهما فرنسيان، بل أصبغت عليهما الأصول العربية، مع أنهما ولدا وعاشا في فرنسا، كما لم يُقال أيضا إن من بين ضحايا «شارلي إيبدو» فرنسيين اثنين من أصول عربية، الأول الشرطي أحمد، الذي قتل على الرصيف، والآخر من أسرة تحرير المجلة الفرنسية، وقد أدَّت المحاصرة إلى قتلهما وهما يحتجزان رهينة لم تصب بأذى.. وانتهت فصول العملية، إلا أنها لم تنتهِ على الجانب الاجتماعي أو السياسي.. فهناك ما يشبه الاستحضار والنظرة العنصرية للجالية العربية بشكل خاص والإسلامية عامة.. استحضار كان مغطى بصورة أو بأخرى تجاه الجالية، بغض النظر، إن كانت فرنسية من أصول مغاربية أو عاملة هناك.

تكفي نظرة الازدراء أو الأفعال اليومية من قِبل العنصريين الفرنسيين، وقد تقود إلى تعاظم التصرفات العنصرية، التي بدأت بعد برهة وجيزة بعد العملية بمهاجمة بعض الأماكن الإسلامية في أكثر من مدينة فرنسية.. هذه التصرفات والسلوكيات العنصرية معززة من الناحية السياسية بأدوات اليمين الفرنسي، ممثلة بالجبهة الوطنية، جرت محاولة من الرئيس الفرنسي باستدعائه لكل القوى السياسية الفرنسية، بما في ذلك مارلين لوبن، زعيمة الجبهة الوطنية، وهي محاولة ذات مفعول وقتي، لا أكثر، تهدف إلى عدم استغلال هذه العملية استغلالاً سياسياً، وبالذات من اليمين الفرنسي، بقصد تعضيد صحة أقوالهم تجاه الأجانب والجالية العربية في فرنسا، ولاسيما أن الأوضاع الاقتصادية الفرنسية تعطيهم الدافع والذريعة للعزف على هذا الوتر.

تداعيات الحادثة ستستمر على المستوى السياسي، وتحتد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، فهي سلاح قابل للاستخدام في مجال السياسة، التي لا تعرف الأخلاق أو التوقف الوقتي.

أما على مستوى المجلة الفرنسية، فستعاود الصدور في عددها الذي سيصدر هذا اليوم (الأربعاء) من مقر صحيفة ليبراسيون، التي استضافتها عام 2012، بعد حرق مقرها. ستعاود الصدور، ليس بخمسين ألف نسخة، كما جرت العادة، بل بطباعة مليون نسخة، لتغطية التعاطف الذي نالته المجلة بعد الحادثة.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *