الرئيسية » عربي ودولي » كيف تجاوزت تونس تداعيات الربيع العربي؟

كيف تجاوزت تونس تداعيات الربيع العربي؟

أنصار السبسي يحتفلون بفوزه في الانتخابات الرئاسية
أنصار السبسي يحتفلون بفوزه في الانتخابات الرئاسية

ترجمة: ظافر قطمة
تناولت صحيفة الغارديان البريطانية تداعيات ونتائج ما يُعرف باسم «الربيع العربي»، والتطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في أعقاب تلك الموجة من التغيرات الراديكالية على الساحة السياسية، والتي نعيش اليوم تبعاتها المجهولة العواقب.

وقالت الصحيفة في مقال بقلم بيرني سيب إن الدولة التي أطلقت شرارة الرفض أظهرت إمكانية بروز دولة توافقية رضائية وعلمانية وديمقراطية من عواصف ثورة.

لنتحدَّث بواقعية: بعد تطلعات أمل للشرق الأوسط، غدت فكرة «ربيع عربي» مجرد خيبة تُوقع الكآبة في النفس.

وقد أعقبت ذلك الربيع طائفة من الكوارث الإنسانية – مثل العنف الذي لا يوصف من قِبل ما يُدعى «الدولة الإسلامية»، أو تفسخ النسيج الاجتماعي والسياسي في ليبيا، وعودة الطريقة المتأصلة في جعل الجيش يختار حكام البلاد في مصر.

وفي أماكن أخرى، كما في البحرين، تم القضاء على الثورات في المهد – أو أنها قمعت بقوة الشرطة – وأسكتت بصورة نهائية.

مهد الربيع العربي

وعلى الرغم من ذلك، تقود تونس، وهي مهد الربيع الربيع العربي، ركب التغيير من جديد، وعبر انتخابات سلمية فاز فيها الباجي قايد السبسي، أظهرت للعالم أول دولة عربية أثبتت أن الاحتجاجات الشعبية كانت كافية للتخلص من حاكم مستبد، وأن إدارة منتظمة للثورة هي على الدوام خيار مطروح على الطاولة.

وخلال أربع سنوات، عبرت تونس الدورة الكاملة لإطاحة رئيس كان يبدو حاكماً مدى الحياة، وانتخبت جمعية تأسيسية أفضت إلى دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية ديمقراطية تامة.

كما أن تونس تخطت، بنجاح، المياه العكرة لأوضاع عدم الاستقرار في فترة ما بعد الثورة، عندما يصبح مستقبل البلاد مفتوحاً إلى درجة يصلح معها إغراء استخدام العنف السياسي أكثر قوة من الانضباط اللازم للإذعان إلى حكم صناديق الاقتراع.

وقد حدثت اغتيالات سياسية قليلة، ولكن ردة الفعل من جانب المجتمع المدني ورجال السياسة، على حد سواء، ضمنت عدم انزلاق السياسة إلى نزاع مسلح علني.

وبالمثل، تمَّت إدانة مظاهر القوة للمجموعات المتطرفة من جانب الطبقة السياسية برمتها، ما أفضى إلى تهميش مجموعات العنف الجهادية.

وهكذا، أثمرت عقود من التزام بالتربية والتطوير، وضمنت بقاء الحوار السياسي، الطريقة المفضلة للتفاوض بالنسبة لأكثرية السكان.

وقالت «الغارديان» إنه بمجرد أن أفضت المفاوضات العتيدة إلى دستور جديد (الثالث في تاريخ تونس بعد دستوري 1861 و1959)، سمح للمواطنين التونسيين اختيار مسار بلادهم بحرية.

وفي شهر أكتوبر الماضي، عبَّر الشعب التونسي عن خيبة أمله من الفائزين الرئيسيين في الجمعية التأسيسية، وصوَّت حوالي 40 في المائة لحزب السبسي – نداء تونس – الذي يؤيد العلمانية والديمقراطية والليبرالية الاجتماعية.

التجمع الدستوري الديمقراطي

وتعرَّض حزب نداء تونس، الذي يُعد ردة فعل على الخطر المتوقع من الإفراط في أسلمة المجتمع التونسي، والذي يهدف إلى الحفاظ على المبادئ القومية في تونس منذ استقلاها عن فرنسا في سنة 1956، في أغلب الأحيان لانتقادات، لأنه سمح للبعض من السياسيين من حزب زين العابدين بن علي – التجمع الدستوري الديمقراطي – باستعادة دور في تونس ما بعد الثورة.

وأشارت مقالة الصحيفة البريطانية إلى أنه من الصعب أن ينظر إلى السبسبي، الذي يبلغ الثامنة والثمانين من العمر، على أنه حديث العهد في معترك السياسة، فقد كان عضواً في حزب الدستور الجديد الوطني، الذي قاتل منذ ثلاثينات القرن الماضي لنيل الاستقلال، ثم خدم في ما بعد في أدوار رئيسة عديدة، في ظل أول رئيس لتونس الحبيب بورقيبة.

إلى ذلك، كان السبسي أيضاً الرئيس السابق للبرلمان التونسي في عهد زين العابدين بن علي في أوائل تسعينات القرن الماضي، كما كان أول رئيس للوزراء في حكومة ما بعد بن علي الانتقالية لتسعة أشهر في سنة 2011، لكن سجله لا يعني أن إرث الثورة عرضة للخطر.

وعلى العكس من ذلك، فإن ماضيه يظهر أن المرحلة الانتقالية تمَّت بعملية تفاوضية لافتة، وأن الثقافة السياسية التونسية ناضجة بما يكفي من أجل اختيار مستقبلها بصورة سلمية وعادلة.
ولكن أكثرية الشعب التونسي أرادت أن تبقى البلاد علمانية، وقد أوكلت الآن إلى حزب اشتهر بخبرته مهمة معالجة المشاكل الرئيسة التي تطورت خلال السنوات القليلة الماضية: غياب الأمن وخطر التطرف، والتضخم، وفوق كل شيء، البطالة.

تجدر الإشارة إلى أن الهدف هنا هائل، كما أن التوقعات العالية ستجعله محفوفاً بمخاطر سياسية، ولكن ما يبشر بالخير، هو أن الرئيس المنتهية ولايته، المنصف المرزوقي، أقرَّ في نهاية المطاف بهزيمته، فيما أيَّد راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة، بشكل ضمني السبسي بين جولتي الانتخابات، مؤكداً للكل عدم وجود خطر من العودة إلى الدكتاتورية.

تخفيف مخاوف الإسلاميين

وبالمثل، يشير السبسي نفسه في أغلب الأحيان إلى القرآن الكريم بشكل علني، وهي استراتيجية واضحة تهدف إلى تخفيف مخاوف الإسلاميين المعتدلين.

وفيما تتخبَّط الدول المحيطة بتونس، وتنزلق نحو عنف رهيب، وربما عسير، فإن تونس أظهرت أنها تملك النضوج السياسي اللازم، ليس فقط للتقيد بالديمقراطية، بل لتقبل نتائج انتخابات تعددية أيضاً، وهي تحارب التطرف في الوقت ذاته.

وفي حقيقة الأمر، تبدو تونس قادرة على الارتقاء إلى مستوى سمعة سلفها المرموق قرطاج، التي أشاد أرسطو بها لتنظيمها السياسي، الذي كان يظن أنه متفوق على كل المدن الأخرى في جوانب عديدة.

وتونس، التي تعد منارة البحر الأبيض المتوسط قبل 2500 سنة، أظهرت أنه لا يزال في وسعها أن تمثل منارة للتغيير السلمي وللديمقراطية المتنورة في العالم العربي في القرن الحادي والعشرين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *