الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : حزب التحرير

حبيب السنافي : حزب التحرير

حبيب السنافي
حبيب السنافي

حكم محكمة الجنايات الصادر قبل عدة أيام، بمعاقبة مواطنين اثنين بالسجن ثلاث سنوات وأربعة أشهر مع الشغل والنفاذ ومصادرة المطبوعات والمنشورات التي بحوزتهما، بسبب انتمائهما لحزب محظور (حزب التحرير)، يمثل تصدياً من المحكمة لمحاولات الأحزاب الهدامة لضرب وحدة المجتمع وهتك نسيجه الاجتماعي.. وعبثاً طال أمده بقيم الإسلام وأخلاقياته، من خلال تكفير فئات المجتمع الرافضة لمنطقها الساذج ومنهجها المعوج، ومحاولاتها الخائبة لإنعاش الأوضاع السياسية والاجتماعية والإقتصادية في مجتمعنا.

الأحزاب السياسية الدينية بالكويت يناهز عددها الخمسين، ما بين جماعة وحركة، ومع ذلك تأثيرها إيجاباً محدود، وليس من الخطأ القول إن كثرتها قد تسبب المزيد من التشرذم والانقسام في وجهات النظر، أو توقع المصادمات والخصومة، لأسباب واهية.

العديد من هذه التنظيمات المتأسلمة ذات أفكار أصولية، أي تأييدها لفكرة إحياء دولة الخلافة الإسلامية، وتنصيب خليفة واحد على كل مسلمي العالم، وتشكيل مجلس شورى المسلمين، وفق ما كان معمولاً به في القرون الماضية.

وهنا باعتقادي تكمن المفارقة، فالجماعات الإسلامية، إجمالاً، تلتقي على أصل الخلافة ومشروعيتها ووجوب إقامتها، التخلي عن جوهر الديمقراطية ومبادئها ومحاولة تغيير الهوية السياسية، وتحديد الحريات المدنية والشخصية، واستبدال النظم الاقتصادية بأخرى «إسلامية»، ما يعني خروجها على النظم الأساسية في البلاد، والتعارض مع المصالح الوطنية.. تلك الحال التي تحرص أحكام المحكمة على حفظها وصونها من العبث والتحريف، وبالتالي إمكانية تعرض تلك الأحزاب للمساءلة والحظر، وتحولها مرغمة إلى أحزاب سرية تخضع لقيادات مجهولة للسلطة، الأمر الذي له مساوئه وعيوبه، فهي تفقد مشروعيتها القانونية وتعرّض عناصرها ومناصريها للملاحقات الأمنية والعقوبات القضائية.

معضلة الأحزاب المتأسلمة تكمن في عدم تقبلها للواقع المدني الجديد على مجتمعاتنا من مدنية مؤسسات الدولة، وفرض الدستور، ورفضها للسلوك المتمدن للأفراد المصون بالحريات الشخصية، وتحقيرها وازدرائها للقوانين الوضعية التي أضحت سمة من سمات المجتمع المتطور، بما تعكسه من نظم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض، أو بينهم وبين الدولة.

حزب التحرير الأم تاريخياً تأسس من قِبل تقي الدين النبهاني، فلسطيني الجنسية، ويذكر التاريخ محاولته الانقلابية الفاشلة على السلطة بالأردن عام ١٩٦٨، كما يقال إن له يداً في مؤامرة اغتيال ملك الأردن، آنذاك، التي كشفت قبل أوانها، ما يطعن في مصداقيته كحزب سياسي له برامجه المعلنة، أو شفافية تنظيماته والكوادر التابعة له.

حزب التحرير له أفكاره المتطرفة، وتمثل مطالبها خطورة على المجتمع المدني، وخاصة في ما يتعلق بمنع المرأة من العمل بسلك القضاء أو تبوؤ المناصب القيادية، أو حجره العمل السياسي على الأحزاب الدينية حصراً، لكن مع ذلك، فهذه المعتقدات إن لم تقرن بالنشاط العسكري والفعل الجهادي، فأعتقد أنه لا يمكن محاسبتها، انطلاقاً من مبدأ حرية المعتقد والفكر، وهذا ما أكدته أحكام المحكمة السابق ذكرها، لكنها – كما يبدو – ردت سبب التجريم لمخالفة المتهمين أحكام القانون رقم ٣ لسنة ٢٠٠٦، بشأن المطبوعات والنشر، ولتحريض المتهمين علانية على إلغاء دستور البلاد، والدعوة لهدم مؤسسات البلد وإقامة الخلافة، كمبرر مكمل لإثبات التهم عليهم، وبالتالي حددت مفهومها لمعنى الإباحة للعمل السياسي ومشروعيته، إن لم يرم لتقويض الأمن الاجتماعي وتعريض أمن الدولة للخطر.

بالختام، لابد من التأكيد على حرية الأفراد والتنظيمات بطرح أفكارهم، وعرض معتقداتهم، ومناقشة مشاريعهم ورؤاهم- مهما شذت وعارضت الواقع – على أرضية البحث العلمي والجدل المنطقي، فلربما كان لتلك الإرادات نصيبها من الحصافة وسعة الإفق، لكن ذلك كله مشروط بمبادئ السلمية والتوافق والتناصح، بعيداً عن التنازع والتنابذ قدر الإمكان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *