الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : دواعش الماضي والحاضر

أحمد الجاسم : دواعش الماضي والحاضر

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

مرَّت ذكرى ميلاد المسيح عيسى -عليه السلام – هذا العام مقترنة مع مولد النبي محمد – صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة كريمة تتداخل فيها مشاعر الفرح والحزن، والرغبة بالتهنئة والعزاء لكل ضحايا الإرهاب، وللإخوة المسيحيين العرب خاصة، على إثر الواقع المأساوي الذي نعيشه في العالم العربي، وهي فرصة لترميم العلاقة الأخوية مع نظرائنا في الإنسانية، وأشقائنا في العروبة، وشركائنا بالوطن العربي الكبير، بعد أن دمّرتها عصابات «داعش» وأخواتها، بغزوها لقراهم ومدنهم في معلولا وحلب والرقة والقلمون والموصل.. ، وما ارتكبته في حقهم من قتل وخطف وتهجير واعتداء، حتى على كنائسهم وأعراضهم وكرامتهم، وقد سجل مرصد حقوق الإنسان السوري جرائم تنظيم «الدولة الإسلامية» خلال ستة أشهر، أي منذ إعلان دولة الخلافة المشؤومة في نهاية يونيو ٢٠١٤ حتى آواخر ديسمبر الماضي، فقد أعدم التنظيم ١٨٧٨ شخصا في سوريا والعراق فقط (صحيفة رأي اليوم عدد الأحد ٢٧ /١٢).

فهل يُعقل أن تكون هذه العصابات الدموية ثوّاراً وطلاباً للحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة، أو ضحايا سياسة التهميش والاضطهاد والظلم، كما يحلو للبعض أن يبرر لهم؟ فالمسيحيون والإيزيديون لم يكونوا حاكمين في دمشق وبغداد حتى ينتقموا منهم بهذه الوحشية!

إنها الكراهية الدينية والتوحش الناتجة من الأيديولوجيا الأحادية التكفيرية التي ترفض التعدد والتنوع والتعايش مع المختلف، والتي تجعل أتباعها يعتقدون بأنهم هم الحق، وغيرهم باطل، هم الفرقة الناجية، وغيرهم الفرقة الضالة والهالكة، هم شعب الله المختار، والآخرون أعداؤه.

التطرف ليس حِكراً على المسلمين فقط، والتركيز على الإرهاب «الإسلامي» من قِبل حكومات الغرب، بما بات يعُرف بـ»الإسلاموفوبيا»، يتناقض تماماً مع تغاضيهم وصمتهم عن الإرهاب الصهيوني في فلسطين ولبنان! وقد انساق الكثير من المثقفين العرب مع الأسف وراء هذه الدعاية.

فهناك سوابق تاريخية كثيرة تجلى فيها الطابع الداعشي من مختلف الأديان والملل، فكم أُريقت من دماء بريئة، لمجرد أنها تؤمن بعقيدة أو أيديولوجيا مخالفة أو عبَّرت عن رأي أو مارست نشاطا أزعج السلطة الحاكمة أو دافعت عن حقها؟ فإذا اعتبرنا أن الداعشي، هو كل مَن يمارس الإقصاء والاستبداد والتصفية بحق خصومه ومعارضيه، فلا فرق هنا أن يكون الداعشي هو أبوبكر البغدادي أو نتنياهو أو أي طاغية آخر يُنكل بمعارضيه.

فالتاريخ مليء بمثل هذه الأحداث، ولنأخذ مثلا من محنة نصارى نجران مع ملك اليمن اليهودي ذي نواس، الذي شق الأخدود في الأرض وأحضر الخشب والوقود وأشعل الحفر بالنار، ثم ألقى فيها كل مَن يرفض اعتناق اليهودية، فلم يرحم صغيراً ولا كبيراً منهم، والقصة مشهورة في سورة البروج بالقرآن الكريم.

وإليك مثالاً آخر.. ففي إسبانيا عام ٦٩٤م، أي قبل مجيء الفاتح الإسلامي، قرر الملك راجيكيا النصارني أن يُجرد اليهود من أملاكهم في سائر الولايات الإسبانية، وأن يُشردوا، ويُقضى عليهم بالرق الأبدي للنصارى، وأن يُنزع منهم أبناؤهم منذ سن السابعة، ليربوا على دين النصرانية، وألا يتزوج يهودي بنصرانية، ولم يذق اليهود طعم الحرية والعيش الكريم، إلا مع الفتح الإسلامي بالأندلس، الذي ترك للناس هناك حرية الضمائر والشعائر مقابل الجزية.

وكذلك قاسى الأقباط في مصر من حكم الإمبراطورية البيزنطية، وذاقوا منها أشد العذاب، وعندما دخلها المسلمون فاتحين رحبوا بهم، وفي فترات معينة تبوأ بعض الأقباط مناصب عليا في الدولة الفاطمية، كوزراء وأطباء للخلفاء وتجار وحرفيين، وقد وصل منهم يعقوب من كلس إلى رتبة كبير الوزراء، وهو من خلفية يهودية، ولم يضطهدوا إلا في فترة من عهد الحاكم بأمر الله (للمزيد راجع كتاب نعم للولاء ولا للبراء)، وكذلك فعلت حملات الفرنجة بالعالم العربي، مستغلةً شعار الصليب، حتى قيل إن خيولهم سبحت بالدماء من كثرة ما قتلوا من المسلمين وغيرهم.
وفي خضم الصراع بين العثمانيين والصفويين، تم استغلال العصبيات المذهبية، فوقع الشعب العراقي والشعب والإيراني ضحية هذا التنافس.. فعندما دخل إسماعيل الصفوي بغداد عام ١٥٠٨م، أمر جنوده بهدم معالم أئمة السُّنة وقبورهم، كما أمر بقتل جماعة من علمائهم، وكان رد الأتراك على اختراق الصفويين للعراق، أن أمر السلطان سليم بذبح جميع الشيعة، أينما وجدوا.. (محمد السمّاك، الأقليات بين العروبة الإسلام ص٣٣).

فيتضح من تلك المشاهد الدموية، أن حالة الانفصال بين المتدين (سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً) والأخلاق والإنسانية، قديمة جداً عند أدعياء الدّين والتدين، فمن الأولى أن يكون المتدين صاحب خلق عظيم وإنسانية رفيعة، وفقاً لما جاءت من أجله الأديان السماوية. فقد تجد ملحداً مثل الثائر تشي غيفارا مملوءاً من قرن إلى قدم بالأخلاق والإنسانية والحرية والاستعداد للتضحية، تراه ينتفض من مكان لآخر، منتصراً للضعفاء والمحرومين والمستعمَرين.

إن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن بهذا التوحش، وقد عاش بكنفها اليهود والنصارى والصابئة والإيزيديون برخاء نسبي وشدة أحياناً، كما بيّنا، وأسهموا بحضارتنا، فحتى الخوارج والحشاشين (أتباع حسن الصبّاح مؤسس فرقة فدائية تنفذ الاغتيالات)، وهما الجيل الأول من متطرفي الجماعات «الإسلاموية»، عاشوا منبوذين في الأطراف، والخوارج هم مَن لُقبوا بـ»القراء»، لكثرة قراءتهم للقرآن الكريم، وحرصهم على أداء الفرائض والعبادات، فقد تعجب حينما تقرأ سيرتهم، وكيف يحتاط الواحد منهم من أكل رطبة ساقطة من نخلة من دون استئذان صاحبها أو دفع ثمنها، لكنهم لا يتورعون عن قتل من يخالف قناعتهم، وقد التقوا ذات مرة بالصحابي عبدالله بن خباب بن الأرت في الطريق، وسألوه، فلما أجابهم بما يخالف قناعتهم، قتلوه وبقروا بطن زوجته الحامل! وعلى نفس هذا النهج الدموي سارت حركة الإخوان النجديّون، وصولاً إلى السلفية الجهادية و»داعش» اليوم، فهم جميعاً أغصان متفرقة لشجرة واحدة، فما أشبه اليوم بالبارحة.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. خالد محمد الفحام

    الطرح من الكاتب مثير وشامل وموضوعي وينتقل بالافكار وفق تسلسل تاريخي برشاقة، ونخلص لنتيجة جلية وساطعة كنور الشمس لا لِبس فيها ولا غموض ، وهي أن رسالة الاسلام لم تحظى بحاضنة ذات أبعاد ايمانية وفكرية وأخلاقية في البيئات العربية والفارسية والتركية ، طيلة قرون خلت . فهل هنالك من عدل ومن مبدأ الشمولية العالمية لهذه الرسالة وأنها لكل البشر، أن تبقى اسيرة العقم الفكري والعلمي والحضاري في البيئة التي يكون المرجعية فيها الأزهر المهلهل والفكر الوهابي الظلامي عن النسة هو من ننتظر أن يغير ويتغير.
    وكذلك أن تبقى المرجعية الشيعية في قم والنجف هما كلاهما سواء متفرقين أو متنازعين النفوذ الديني من يؤتمنان على سلامة دور الرسالة ببعدها العالمي وهم ما هم عليه في أطماعهم السياسية والمذهبية . كيف نخلص الرسالة من كل البيئات المجتمعية الخطأ التي تسيء لها كل لحظة اساءات توصف بالمصائب الكارثية ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *