الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : ثورة دينية بالأمر!

محمد جاد : ثورة دينية بالأمر!

محمد جاد
محمد جاد

يبدو أن محاولات السلطة في مصر للخروج من نفق التأسلم والعنف الديني/الإرهاب تمضي سريعاً، خاصة وقد أصدر الرئيس أوامره في خطابه الأخير، بمناسبة المولد النبوي، بضرورة القيام بتجديد الخطاب الديني، والقيام بثورة دينية، وذلك في جُملة مباشرة لا تحتمل التأويل، قال إنه «ليس معقولاً أن يكون الفكر الذي نقدسه منذ مئات السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها»، وقد أوكل هذه المهمة إلى الأزهر ورجاله، بما أن الأزهر هو الممثل الرسمي للوسطية في الإسلام! وذلك بإعادة النظر في تفسير وتأويل النصوص الدينية.
الأمر مثير لدرجة الغرابة، فكيف سيتم تفسير نصوص يمثل الجهاد فيها شرطاً وجوبياً لصلاح العقيدة، على الرغم من الأحاديث التجميلية لهذه الآيات، والتأويل المغالط لها وقت الحاجة من قِبل الشيوخ وأشباههم؟!

ثم إن الرئيس أوكل الأمر إلى الأزهر، الذي تنضح مناهجه وعقول أغلب شيوخه والعديد من طلابه بنظرة عنصرية متعالية، وكأنهم أصحاب الحق والصواب في الحياة، وهي البداية لكل فكر مُتشدد، وبالتالي مناخ صالح تماماً لتفريغ عنف مستور، يجد ضالته وقت الحاجة والإمكانات.

ما موقف الأزهر من الذين حاولوا بالفعل تجديد الخطاب الديني بداية من طه حسين وعلي عبد الرازق، وصولاً إلى فرج فودة ونصر حامد أبي زيد؟ ما موقف الأزهر وهو الذي في قرارة نفسه قد أعلن عنها في العديد من المواقف بتكفير هؤلاء؟! فهي دعوة سياسية شبه عسكرية حتى تلين أفكار المشايخ لنبذ التعصب الذي يتنفسونه، وكالعادة، يسير الشيوخ في ركب الساسة، وتاريخهم الطويل يشهد بذلك – الحملة على علي عبدالرازق – كانت لإنكاره الخلافة في الإسلام في مؤلفه الإسلام وأصول الحُكم، وقت أن كان الملك فؤاد ينتوي أن يصبح خليفة المسلمين، بعد إلغاء الخلافة في تركيا، وكان الباعث على تأليف الكتاب سياسياً في المقام الأول – تاريخ رجال الدين في ركاب الساسة تاريخ موصوم، لا عاصم له ولا شافع. وماذا عن الرأي الشعبي الذي تم تكوينه عبر سنوات طويلة تشوَّهت فيها الشخصية المصرية، ونفضت تسامحها الذي كانت تتميَّز به تجاه الآخر، وتحولت إلى التعصب الأعمى، بداية من انقلاب يوليو 1952 وحتى الآن؟! خاصة وقد تركت الدولة للمتأسلمين حرية التفاعل مع الفئة المغلوبة على أمرها، واهتمت هي بالجلوس إلى رجال الأعمال وعالمهم.

أي ثورة دينية يريدها الرجل؟ على مَن ولصالح مَن؟ ولماذا الآن؟ هل بالفعل لتحديث المجتمع المصري، أم لحماية السلطة السياسية، ومحاربة عدوّها الأول، ممثل تيار التشدد/الإخوان، وإنذار سريع لأشباههم؟

الأمر لم يزل يدور في إطار الصراع على السلطة، ومحاولة استتبابها لصالح الجناح العسكري، الذي أتى منه رئيس الدولة.. لم يلتفت الرئيس للإصلاح الاجتماعي، وهو الخطوة الأولى للقضاء على مخاوفه، فقد تعامل مع المسألة وكأنه يأمر جنوده في معسكر تدريب، على غرار كُن فيكون، لتصبح الكلمات غائمة لا معنى لها، ولم يتبق من الحديث سوى كلمة واحدة تختلف دلالتها ما بين خطاب وآخر، كلمة.. «ثورة».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *