الرئيسية » القانونية » البهاويد: لا فائدة من قانون التجنيد الجديد إن لم يحل مشاكل السابق

البهاويد: لا فائدة من قانون التجنيد الجديد إن لم يحل مشاكل السابق

خليل البهاويد
خليل البهاويد

تضاربت الآراء حول إصدار قانون جديد للتجنيد, بين مرحب ورافض ومنتقد, وحلل القانونيون العديد من مواد القانون، بالمقارنة مع القانون القديم، الذي صدر في عام 197، ثم تم إيقاف العمل به، على أن تتم معالجة سلبياته في قانون يصدر لاحقاً, وفي عام 2001 وضع على الطاولة قانون تجنيد آخر، إلا أنه لم يكن يحل المثالب والسلبيات الموجودة في القانون السابق، فتم إيقاف المشروع.

والآن في أواخر 2014، تعلن لجنة الداخلية والدفاع في مجلس الأمة عن قانون تجنيد جديد يغطي المشاكل التي واجهت المجندين في القانون الأول.

«الطليعة» ارتأت تناول الموضوع هذه المرة من الناحية العملية له, انطلاقا من التطبيق العملي للقانون والتجنيد على أرض الواقع، وذلك من قبل المتخصصين العسكريين أنفسهم, لذلك التقينا العميد متقاعد خليل البهاويد، الذي عاصر كافة دفعات التجنيد منذ الدفعة الأولى كآمر فصيل في عام 1979 حتى الدفعة الأخيرة، حين أوقف التجنيد الإلزامي كآمر كتيبة في مدرسة الأغرار.. وهنا الحوار مفصلا:

● ما سلبيات التطبيق العملي في القانون القديم؟
– كان على القانون القديم اعتراضات منذ أول سنة طبق فيها، وهذه الاعتراضات سببت التظاهرات الأولى في الدفعة الأولى في 1979، بسبب أخطاء القانون الجسيمة، التي أغضبت الناس- ولديهم حق في ذلك- مثل الفحص الطبي والرواتب، التي كانت تصرف للموظفين براتبهم الأساسي فقط، إذا ما دخل الموظف للتجنيد، وتتم إزالة كل علاواته، وهذا يضر المجند الموظف كثيراً.
العيب ليس في القانون دائماً.. فبرأيي، الخطأ الأكبر كان بتطبيقه، وأنا ألقي أكثر اللوم على العسكريين أنفسهم من الضباط والقادة، لأن التطبيق ساهم في خلخلة التجنيد، بحيث لم يكن كما كنا نأمل.. فبعد الدفعتين الأولى والثانية، اللتين حصلت فيهما التظاهرات، مرَّت فترة أخذ التجنيد خلالها وضعه الصحيح لمدة طويلة، ثم تراجع التطبيق، وساء، حتى عاد التذمر للناس من التجنيد مجدداً, من هذه الأخطاء الواسطة.. صحيح أن هذا موجود في كافة الوزارات، لكن في التجنيد بالذات كان من الخطر التدخل الخارجي من قِبل المدنيين، وخاصة أعضاء مجلس الأمة في ذاك الوقت, كانوا يستمعون لأي شخص من دون معرفة الحقيقة ويتدخلون في العمل, وللأسف، القيادات كانت تخشى الأخذ والرد، فيعطون الأوامر بمراعاة فلان ونقل فلان، وهكذا، ما جعل التجنيد ضعيفاً، بدلاً من أن يكون مؤسسة قوية فعالة ومعطاءة تربي الأجيال.. التجنيد لم يفشل، لكنه لم يكن بالصورة التي نأمل أن تكون عليه، ولم يحقق كامل الفائدة المرجوة منه.. للتجنيد إيجابياته، وأنا ضد تضخيم السلبيات، بهدف إلغائه.. هناك من الشباب مَن استفاد من التجنيد كثيراً، ضبطاً وربطاً ولياقة بدنية، ومن ناحية التعامل, لكن السلبيات كثيرة وموجودة، ولا ننكر ذلك، وبعض الضباط ارتكبوا أخطاء ساهمت في تدمير جزء كبير من التجنيد، بتعاملهم الخاطئ مع المجندين وقانون التجنيد.

أخطاء فادحة

وهناك سلبية كبيرة كانت تحدث في الفترة السابقة، وهي عدم استدعاء المجندين بشكل دوري أو مبرمج أو مفاجئ، حتى تعرف المؤسسة العسكرية قدراتها وقت الطوارئ.. عشر سنوات من التجنيد لم يتم خلالها استدعاء أي دفعة، وبعد الغزو تم استدعاء جزء من المجندين مرة واحدة، واحتارت المؤسسة فيهم, بحيث لم تكن جاهزة، لا بالأماكن ولا بالملابس ولا غيرها، ما كشف عدم جاهزيتها للتعبئة العامة وقت الكوارث، لذلك هذه التعبئة والاستدعاء يجب أن تكون متكررة ومبرمجة حتى تقيس الدولة قدراتها.

التعديلات

● بشكل عام، ما رأيك في التعديلات التي تمَّت على التجنيد وفقاً للقانون الجديد؟
– بصراحة، إذا لم يكن القانون الجديد قد حلّ ما يفوق 90 في المائة على الأقل من المشاكل التي كانت تواجه المجندين في السابق، فلا فائدة منه.
رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك كان وزيراً للدفاع، فلابد أن يكون عارفاً بثغرات القانون القديم، وأي ثغرة في القانون الجديد سيكون هو مسؤولاً عنها، وعليه أن يعمل على تعديلها، حتى لا تتسبب في أي مشكلة وقت التطبيق.

الحوافز

● هل ترى أن الحوافز المالية تفيد الخدمة الإلزامية؟ وما رأيك بتقليص مدة الخدمة؟
– الحوافز المالية موجودة الآن في كل مكان في العالم, لا يوجد شخص سيعمل مجاناً، وخاصة أن الخدمة تكون قبل تعيين المواطن في العمل، فلا يجوز أن نطبق عليه المثل «كدَه وهدَه»، ويجب أن يكون هناك حافز مالي، لكي يعمل برغبة، باعتباره مسؤولا عن نفسه ولا يحتاج للغير, والحافز المالي يجب أن يردفه الحافز المعنوي للمتفوق، والذي يعمل بجد أيضاً.
أما بالنسبة للمدة، فأنا أراها كافية, سنة واحدة أفضل من القانون السابق سنتين, من باب تركه لعمله إذا كان موظفاً لفترة أقل, ومن باب أن التدريب العسكري للمجند كافٍ خلال هذه السنة.. كثير من دول العالم تكون خدمات التجنيد فيها قصيرة ومكثفة.

● هل حلّت التعديلات في القانون الجديد المشاكل التي كان يعانيها المجندون الموظفون في السابق؟
– في القانون الجديد، لا يتم تعيين المواطن، إلا بعد أدائه للخدمة، وهذا قد لا يلغي كافة المشاكل التي كان يعانيها الموظفون، لكنها تعالج العديد من المشاكل والسلبيات, مثل شريحة مَن لم يتوظف بعد, فهناك شرائح أخرى سوف تنضم للتجنيد ستكون موظفة فعلياً, وأنا أرى أن القانون الجديد ينظر إليها نظرة جدية أكثر من القانون السابق.. مثلا الموظف كان يبقى في التجنيد سنتين، وحتى لا يبقى مكانه في وظيفته شاغراً يتم وضع موظف آخر، وحين عودته من التجنيد يتسبب ذلك في ربكة في إعادة الموظف, الآن حتى مدة الخدمة صارت أقل.

آثار ايجابية

● ما رأيك في تغيير مسمى التجنيد الالزامي إلى الخدمة الوطنية؟ وما هو سببها برأيك؟
– برأيي، التجنيد الإلزامي يوفي المعنى أكثر، لكونه ليس تطوعياً، بل إنه إلزامي, فكيف نسميه خدمة؟ هو واجب وطني يقدمه الفرد.. فكما له حقوق كمواطن، عليه واجبات يجب أن يؤديها, ويمكن إذا أريد تغيير المسمى أن يسمى بالتجنيد الوطني الإلزامي.. وشخصيا، لا أرى لتغيير المسميات أي قيمة, بالنهاية من الوزير إلى الموظف الكل يخدم الوطن من مراكزهم.

● ما الأثر الاجتماعي للتجنيد؟
– من إيجابيات التجنيد، أنه يساهم في تغيير شخصيات المجندين.. البعض دخل التجنيد غير مبالٍ أو فوضوي أو شرس في التعامل وخرج منه مرتباً منظماً ملتزماً ولطيفا في التعامل, إلى جانب اللياقة البدنية وتعلم الصبر.. كل ذلك يُبنى تدريجياً في برنامج التجنيد, وهذه النتائج يخبرنا بها الناس بأنفسهم.

● إذاً، أنت تتفق مع البعض في أن التجنيد يمثل حلاً لبعض الظواهر الاجتماعية، مثل المشاجرات في المجمعات والجنس الثالث وإدمان المخدرات؟
– نعم, البطالة وعدم الانشغال تترك الشخص عُرضة لأفكار كثيرة والتسكع في الأماكن العامة.. المجند حين يتجوَّل في هذه الأماكن يكون معتاداً على نمط صبر وضبط والتزام معين لا تتركه لعبة في يد الفوضى في هذه الأماكن، كما أن التجنيد يفرغ طاقته في عمل جاد، بدلاً من إثارة المشاكل.

وقد دخل الكثيرون من الجنس الثالث لدينا في التجنيد لن أقول إن وضعهم تغير تماماً، لكن كثيرا منهم صار أفضل.

المدمنون

أما بالنسبة لقضية الإدمان، ففي فترة سابقة قدَّم الشيخ سالم الصباح عندما كان وزيراً للدفاع حلاً فكر فيه بشكل أبوي وليس عقابيا ولا انتقاميا من فئة المدمنين, فقد اجتمع مع القضاء العسكري والأمن العسكري، للخروج بحل للمدمنين العسكريين، حيث كان عندما يتم القبض عليهم يتم طردهم من الخدمة، وهذا قد يجعل حالتهم تسوء أكثر, لذلك تم إنشاء معسكر في جزيرة فيلكا للمدمنين يتم إبعادهم عن رفاق السوء وعن التعاطي، كي يتم علاجهم من الإدمان، وغالبيتهم عاد أفضل مما كان عليه، لكن بعضهم الآخر عاد لأصحاب السوء ذاتهم، وانساق لهم وعاد للإدمان.. وهؤلاء قلة، وكان حلاً ممتازاً وناجعاً، لكنه للأسف أُلغي بعد ذلك.

مشاكل

● ما المشاكل التي كانت تواجه المجند الذي أمضى حياته مدنياً، ثم دخل فجأة السلك العسكري؟
– عند دخول المجند للتجنيد، يجب أن تكون هناك تهيئة نفسية لتحويله من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية، وهذا ينطبق على أي عسكري يدخل للسلك.. كان لدينا نوعان من المنضمين: المجندون تحت قانون التجنيد الإجباري، والمتطوعون الذين انضموا للسلك العسكري طوعاً بإرادتهم، وغالبا هؤلاء أصغر عمراً من المجندين.. نتعامل مع المتطوع باعتباره سيبقى عسكرياً كوظيفة ثابتة له، فالتهيئة النفسية تكون باعتباره تاركاً لحياته المدنية لمدة طويلة.. أما المجندون، فبعضهم متزوجون أو لديهم مناصبهم أو وظائفهم المرموقة، وقد يكونون رؤساء لآخرين، لهذا، فإن تهيئة المجندين مختلفة لإدخالهم في الجو العسكري، كونهم سيصبحون مأمورين، وبعض الضباط لم يكونوا مهيئين أيضاً للتعامل مع نفسية المجند ولا طريقة إدخاله في الطابع العسكري ولا مسألة اختلاف حياته، فلم يكونوا على دراية في كيفية هذا التأهيل, لذلك إذا ما طبق القانون الجديد، فلابد أن يتلقى الضباط والمدربون والعسكريون المسؤولون عن التدريب في التجنيد الإلزامي محاضرات في كيفية استقبال المجندين وتهيئتهم نفسيا، حتى لا ينفر الشباب من هذه الخدمة الوطنية.

انخراط المرأة

● كيف ترى انخراط المرأة في التجنيد؟
– لا تفرق المرأة في التجنيد عن أي مجند رجل.. لقد دخلت المرأة في سلك الشرطة، ومن راهن على فشلها لم يكسب الرهان.. لا نشترط أن ندخلها في معارك في الوقت الحالي، لكن بعد تطور التجنيد يمكن إشراك المرأة بشكل تدريجي لتخوض المعارك، مثلها مثل أخيها المجند, فقد شاهدنا في الغزو كيف حملت النساء السلاح وشاركن وعملن في الكثير من المجالات التي تعد أخطر من حمل السلاح.. اليوم يمكن تدريب المرأة تدريباً عسكرياً، وتشارك في مجالات أخرى.. لدينا مبدأ عسكري، وهو أن العسكري يجب أن يكون هناك مَن يسانده، حتى يقاتل وهو مرتاح، حيث تهيأ له سبل الراحة من قبل زملائه الإداريين، وفي الإمداد والتموين والطبابة وغيرها، وهنا يمكن أن تقوم المرأة بأداء خدمتها, وهذه مهمة تساوي مهمة حمل السلاح, لذلك في الوقت الحالي يجب عدم الزج بها في المعارك، لكن مع الوقت نعم. ومادامت الدولة وضعت القانون الذي يلزمها بالخدمة، فيجب عدم تطبيقه إلا بعد تهيئة الطاقم وتوفير الأماكن والمرافق المناسبة.

حاجة وطنية

● ما حاجة الدولة للتجنيد؟ وهل تتوافق هذه الحاجة مع الميزانية التي ستخصص له؟
– بالنسبة للشق الأول.. نعم، الكويت دولة صغيرة، ويجب ألا تعتمد اعتمادا كليا على الجيوش الصديقة، يجب أن تعتمد على أبنائها في الدفاع عنها، ثم الاستعانة بالمساعدة.. نحن في خطر دائم، لذلك لابد من تجنيد الشباب، حتى يكون الشعب كله في حماية الوطن, الجيش وحده ليس كافياً، لأن عدد سكان الدولة صغير، والجيش عدده قليل، ولابد أن يسانده المدنيون.

وبالنسبة للشق الثاني، فميزانية وزارة الدفاع أكبر ميزانية في الدولة، يجب أن تطوع هذه الميزانية لتوفير حاجات هذه الخدمة, فهذه الخدمة كانت موجودة من قبل، ولم تكن عبئاً على الميزانية، فالدولة لديها القدرة المالية ووزارة الدفاع لديها رجال قادرون تنظيمياً، لكنهم بحاجة للمساندة من القيادة السياسية ومن الشعب الكويتي، بأن يعطي الجيش الفرصة الكاملة لتطبيق التجنيد الإلزامي بصورة سليمة.

المؤسسة العسكرية ليست بعيدة عن الانتقاد والتوجيه، لكن الانتقاد يجب ألا يكون لهدمها أو إلغاء التجنيد لمصلحة أشخاص لا يرغبون في خدمة الوطن.

حق سياسي

● لماذا التجنيد الآن برأيك؟ هل لإسكات الشباب عبر الحجة العسكرية عن تحركاتهم السياسية؟
– الآن لن اتحدث كعسكري سابق، ولكن كمواطن عادي.. الحرية السياسية يجب أن تكون مكفولة لجميع شرائح المواطنين, هناك قوانين تنظم عملية تدخل العسكري في السياسة، وشخصياً لا أرى أي مانع من تصويت العسكريين ومشاركتهم, هناك آراء تقول إن دور العسكري يجب أن يكون بعيداً عن السياسة، ونحن في بلد مازلنا في الخطوة الأولى من الديمقراطية، رغم كل هذه السنوات, حتى كبار الساسة في الكويت لاتزال لديهم هفواتهم الكبيرة، فما بالك لو أدخلنا معها السلك العسكري بكل شرائحه؟

الآن، أصبح الحراك السياسي أكثر وضوحاً.. في السابق كان التحرك من قبل السياسيين والمخضرمين منهم مع بعض الشباب، لكن حالياً الحراك السياسي أصبح حراكاً شبابياً وكبار الساسة هم من يحاولون استقطاب الشباب, لكن الحراك الشبابي نفسه منظم ومؤثر، لذلك ليس هناك ما يمنع من أن يستمر الشباب في ممارسة حقهم السياسي، حتى لو دخلوا التجنيد، فبالنهاية هم ليسوا عسكريين.. أما إذا دخل أحدهم السلك العسكري، فهنا تتم محاسبته، ولو أنني مع حق العسكري السياسي، كما قلت، لكن هذا يتطلب تغيير القوانين, لذلك يجب ألا يمنع المجند من إبداء آرائه السياسية، ولا أظن أنه يتبادر إلى ذهن الحكومة أو المؤسسة العسكرية استخدام التجنيد كأداة لإسكات الشباب ومنعهم من دورهم السياسي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *