الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : سياسة ودين وفكر

حبيب السنافي : سياسة ودين وفكر

حبيب السنافي
حبيب السنافي

الولاء للوطن في الدول الديمقراطية، يتمثل باصطفاف أفراده للنظام الدستوري للدولة، والخضوع لهيبة القانون.. وكون هذه الأنظمة، سياسياً ودستورياً، مرنة وقابلة للتطوير، ومهيأة للارتقاء في مجال تقديم خدمات أفضل للمواطن، يحدوها حريات المواطن ورغباته لإنجاز كل ما يصبو إليه، لأنه الهدف الأسمى من إنشاء وقيام كيان الدولة.

نظام الدولة، مهما تعددت مسمياته أو أشكاله، كلما وفَّر فرصاً متاحة أكثر لمواطنيه، لينهلوا علماً ويتألقوا وعياً، نهضت الدولة، لارتكازها على انفتاح العقول وسعة أفق الأفهام على شتى العلوم والفنون بلا قيود مصطنعة.

العقبات والموانع التي تكبح التطور الاجتماعي للأفراد تبدأ عندما يرتهن نظامها لنوعين من العقليات المتسلطة والمتجبرة، أولهما رجل السياسة على شاكلة المتوافر في الميدان السياسي لأنظمتنا العربية، ذاك الذي يتسلح بالدهاء والمكر والخديعة، وصولاً لسدة الحكم أو مراكزه المتقدمة،  بالإضافة للتزلف والوصولية  والانتهازية واستغلال العصبية المذهبية و…، كل هذا وهو خالي الوفاض من أي ميزة فكرية أو ثقافية أو رؤية سياسية تنفع لمشروع أو برنامج يقدمه لمواطنيه.

أما العقبة الثانية، فتتمثل بعقلية رجل الدين التي تشكلت وتبلورت منذ مئات السنين، لتسلب المواطن الملتحف بالجهل إرادته وقدرته الذهنية على التمحيص والتمييز وانتقاء للأصلح.

رجل الدين، حاله كحال رجل السياسة، يراهن لفرض سطوته  وهيمنته على العقول والنفوس، من خلال الثقة العمياء التى توليها الجماهير (اللاواعية) لهما، وهي التي درجت منذ  صغرها على ذلك، تربية متوارثة لم تستطع لا الأفكار ولا  الفلسفات السياسية والاجتماعية الحديثة شطبها من أذهان مجتمعاتنا مسلوبة الإرادة والفاقدة للمنطق السوي.

هذه الثقة الهوجاء نتيجة للمسلمات العقائدية والرؤى السطحية وحتى «للاستهبال» الذي يغرسه رجال الدين بالعقول الطرية، ليلاً ونهاراً، من خلال مناهج بالية، يعينهم على ذلك شركاؤهم من رجال السياسة، أو قل يتبادل الاثنان الأدوار، رجل السياسة يستعصم بالدين، ورجل الدين يقتحم ميدان السياسة باسم الشرعية، فيتيه المواطن المغلوب على حاله بين المتواطئين على نحره بشتى الصنوف والأساليب.

خلاف ذلك، يبقى صوت العقل والمنطق صوت رجل الفكر والوعي والفلسفة، شاعراً أو فيلسوفاً أو فناناً، أو أياً كان، يبقى مخنوقاً، متوارياً، متوجساً التهديد والوعيد من رجلي السياسة والدين المزيفين، لأنه الوحيد الذي يحثك على التفكير، ويستنهضك للتغيير، ويناقش ويحاور ويشاكس، لتستنتج بنفسك الصواب، وتختار رأيك بحريتك وإرادتك  بلا تدخل مباشر منه أو إيحاء، هو يخاطب عقلك ووجدانك الفطري، لا مشاعرك وأحاسيسك الوثابة، هو مَن يجلي لك الواقع لا من يزيفه ، هو يهديك كتاباً قيماً، لا مَن يلهيك بالمال كرجل السياسة، أو يبتزك بنعيم الجنان  ويرهبك بجهنم كصنوه رجل الدين.

رجلا السياسة والدين هيّابان، يختبئان تحت الحصانة السياسية والدينية المصطنعة، بينما رجال الفكر مراقبة أقلامهم، مغلولة أيديهم، مطعون عليهم بتهم التنوير والتثوير.
صرخة مزلزلة للثائر الفرنسي فولتير «إشنق آخر قسيس، بأمعاء آخر ملك».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *