الرئيسية » قضايا وآراء » عوض عبد الله : العرب.. الرقم الغائب في العراق

عوض عبد الله : العرب.. الرقم الغائب في العراق

عوض عبدالله
عوض عبدالله

منذ الاحتلال الأميركي في مارس 2003، وإسقاط نظام حزب البعث في العراق بالقوة العسكرية، اتضح أن الهدف الحقيقي لم يكن يتوقف على مسألة «إسقاط نظام ما»، وتبديله بآخر، بقدر ما كان تبديلا شاملا لكل شيء في الدولة، ابتداءً من قرار بريمر، الذي عُين حاكما للوطن الجديد، بحل مؤسسات الدولة، وإعادته إلى الصفر من جديد، وإعادة الوضع لما بعد ثورة العشرين المجيدة، أكملها بقرار إنشاء مجلس الحكم، الذي مثّل الصيغة الجديدة للعراق الجديد، حيث يتم توزيع التوازن في الدولة وفق الهوية المذهبية أو الدينية أو حتى العرقية. هذا القرار، وإن كان في ظاهره يمثّل معادلة عادلة، لكنه أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه أعظم خطيئة تمَّت في العراق، بعد خطيئة الاحتلال.

لقد وجد العراقيون بعد ذلك أنفسهم تائهين في هوياتهم المذهبية التي لم يستطعيوا من خلالها حل مشاكلهم في إدارة الدولة، بسبب خروج هذا السؤال أمامهم (هل نحن أمة واحدة؟ أم مجموعة مكونات مختلفة، مذهبياً ودينياً؟).. هذا السؤال الذي عمل الاحتلال على تكريسه في الناس، من خلال تقسيمه لهم، سياسياً، وفق ما يؤمنون به دينياً، فتحول الشيعة، مثلا، بمختلف أفرادهم وأفكارهم إلى جماعة سياسية واحدة تواجه جماعة مذهبية أخرى، بابتدأ الصراع على السلطة السياسية في الدولة، من كونه صراعا سياسيا طبيعيا يحدث في كل مكان في العالم، إلى صراع ديني تعتبر فيه السلطة السياسية السلاح الأكبر لحماية «الجماعة الدينية التي تسيّست» من بطش الجماعات الأخرى.. وقد تسبب هذا الصراع بين الهويات في خلق مجتمع متفرق، مستعد لاستخدام أسوأ الطرق لحماية نفسه من الجماعة الأخرى، فأصبح القتل مسبباً بالهوية والاسم حتى.

لقد أدَّى تغييب الهوية الجامعة للعراقيين إلى كل ما حدث سالفاً، هذه الهوية القادرة على استيعاب كل هذه التمايزات الدينية والمذهبية في بوتقتها، الهوية التي أثبتت الأحداث الأخيرة أن لا أفق للعراق من دونها، والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها من قِبل قوى الاحتلال والقوى التي أتى بها للعراق، أن العراق عربي، وأن هويته العربية متأصلة في تاريخه الطويل، وأن هذه المظلة هي الوحيدة القادرة على جمع كل الفرقاء تحتها، إذا ما تم إنعاشها من جديد في نفوس أبنائه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *