الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : البحث عن هيبة الدولة

محمد جاد : البحث عن هيبة الدولة

محمد جاد
محمد جاد

تحاول الدول، في حالة ضعفها، أن تبحث عن صيغة تخديرية، للإيحاء بوجودها، وهي في هذا تتحوَّل من شخص اعتباري إلى شخص طبيعي ينكفئ على ذاته، خشية فقدان هذه الذات، للتأكد من قصورها في مواجهة مشكلاتها، وهو أحد أعراض المرض النفسي. وما يُسمى بالعالم العربي – وهو مُسمى مَرَضي بالأساس ــ نجد الدول المنسوبة إلى العرب تبحث عن هيبتها داخلياً، من خلال السيطرة على أفرادها، أي الهيبة في مرآة ذاتها، وبالتالي يصبح رعاياها مجالها الخصب في تجريب وتحقيق نصرها الزائف، وهي ظاهرة الدول القمعية والمقموعة في الوقت نفسه.

البحث عن هيبة هنا هو بديل عن الفشل في تحقيق وجودها كدولة، فلا تطولنا المفاجآت كلما جدّت أحداث تثبت ذلك. وحتى تحاول الدول أن تظهر بمظهر التقوى، لما للدين من مكانة في نفوس الأغلبية العربية، فالاستناد إلى أي ملمح ديني يعضد هذه الهيبة، يأتي ثماره سريعاً، وخاصة أن الدولة ضمنت الكثير من المؤيدين، وحتى تنسى الرعيّة مشكلاتها المُلحة، والتي على الدولة واجب البحث لها عن حل.. كالبطالة والفقر والمرض، وكل موبقات أنظمة الحُكم الفاسدة، التي تنفق مبالغ طائلة على وجودها الأمني والعسكري.

أمران حدثا هذا الأسبوع وتناولتهما وسائل الإعلام المصرية.. أولهما منع وزارة الثقافة المصرية عرض فيلم «الخروج/آلهة وملوك» للبريطاني ريدلي سكوت، بحجة أنه يُزيّف التاريخ، وهو يتعرّض لخروج «موسى» من مصر، ويجعل منه رجلاً عسكرياً بالأساس، بخلاف موضوع النبوّة هذا! وقد تختلف رؤية الفيلم مع الرؤية الدينية للكثيرين، ولكن تبقى المعضلة في جدوى المنع، وهل تتلخص «الهيبة» في المنع الرسمي فقط، في الوقت الذي يتم التأكد تماماً أن الفيلم بهذه الطريقة سيُشاهد على نطاق أكبر، كما حدث مع فيلم «نوح» من قبل، بحجة تجسيد الأنبياء على الشاشة؟!

الأمر الآخر الأشد جسامة، هو تقديم شاعرة ومُترجمة مصرية إلى المحكمة الجنائية، بتهمة ازدراء الأديان، لأنها اعترضت على طريقة الأُضحية، قائلة إنها «مذبحة تتكرر بسبب كابوس أحد الصالحين»، وسيجد بالطبع هذا القرار الكثير من المشجعين، حتى وإن كانوا أحد ضحايا الدولة وهم كُثر.. حالة الفصام هذه تلعب عليها الدولة جيداً، وكلما ضاق بها الحال تلجأ إلى مثل هذه الأفعال، لإلهاء الناس عن مشكلاتهم الحقيقية، ولتثبت لهم جدوى وجودها في حياتهم، بما أنها حامية وحافظة القيم، والتي لولاها (الدولة) لضاعت هذه القيم تماماً، وهي لعبة قديمة لم تتعلم الدولة أبداً أنها قنبلة موقوتة في وجهها، وستقضي على هيبتها الوهمية فجأة في غفلة منها، ولكن يبدو أن هناك آفة مُتأصلة في النظم الحاكمة، بخلاف آفة وجودها، ألا وهي آفة النسيان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *